وتب كلما أذنبت. قال بعضهم لشيخه: إني أذنب، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان، ودَّ لو ظفر منك باليأس والقنوط .
دعاك رب بالندى يعرف *** يا من على أنفسهم أسرفوا
لا تقنطوا من رحمتي واعرفوا *** إني لغفار الذنوب العظام
يا من وسِعْتَ برحمةٍ كل الورى *** من قد أطاع ومن غدا يتأثَّمُ
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ *** فبمن يلوذ ويستجير المُجْرمُ
بادر قبل أن تُبَادر، بادر ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، إنه الله الجليل الأكبر، الخالق البارئ والمصوِّر، بارئ البرايا، منشئ الخلائق، مبدعهم بلا مثالٍ سابق، الأول المبدئ بلا ابتداءٍ، والآخر الباقي بلا انتهاءٍ. الأحد، الفرد، القدير، الأزلي، الصَّمد، البرُّ، المهيمن، العلي علو قَهْر، وعلو الشان، جلَّ عن الأضداد والأعوان، من نظر إلى عظمة الله وجلاله عظَّم حُرُماته، وَقَدَره قَدْرَه، وأجَلَّ أمره ونهيه، وعَظُم عليه ذنبه ولو كان صغيرًا. لكأنه الجبل هو في أصله يخشى أن يقع عليه فيهلكه، فقلبه كأنه بين جناحيْ طائر، تجده منكسر القلب، غزير الدمع، قلق الأحشاء، له في كل واقعة عبْرَة، إذا هدل الحمام بكى، وإذا صاح الطير ناح، وإذا شدا البلبل تذكَّر، وإذا لمع البرق اهتزَّ قلبه خوفًا ممن يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، الذلُّ قد علاه، والحزن قد وَهَّاه، يضم نفسه على هواه، ويصدع بأوَّاه، أواه من غفلاتي، ومن عسى ولعل، يا من عليه اعتمادي؛ بك اهتديت، ومن لم يَرْجُ الهدى منك ضل. بادر وإياك ومحقِّرات الذّنوب؛ فإن لها من الله طالبًا. بادر وردَّ المظالم إلى أهلها، أو تحلَّلْ منهم، واطلب المسامحة؛ لا تتم التوبة إلا بذلك.
صحَّ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:"لتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء". وقال -صلى الله عليه وسلم-"من كانت عنده مظلمة لأخيه"