الداعية ليس منهمكا في زوايا الغرام ، ولا مع قصاصات الهيام ، ولا مع آهات الهجر ، وزفرات الجوى ، وأوجاع العيون السود …
زفراته: من (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها) .
وآهاته: من (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها) .
وأوجاعه: من (يا ليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه) .
أما بعد:
فإن الداعية تتقلب به الأيام ، وتتغاير عليه الليالي ، وتختلف عليه الساعات، وتتعاقب عليه السنون ، رضىً وغضب ، سرور وحزن ، شبع وجوع ، منبر وحبس ، شكر وسبّ ، إقبال وإدبار ، منحه ومحنة ، عطية وبلية ، أمل وألم ، وهو مع ذلك عبد لله ، ينزل مع القرآن أينما نزل ، ويهبط مع الوحي أينما هبط ، ويسافر مع الرسالة أينما سافرت ، ويرتحل مع الحق أينما ارتحل. يصلي في القصر وفي الحبس ، في الجامعة والمزرعة ، وفي الحاضرة والبادية ، يسبِّح في النادي والملعب ، ويكبِّر في المسجد والسوق ..
الداعية عنده شهادةُُ أكبر من شهادات الأرض ، ولديه وثيقة أعظم من وثائق المعمورة (إياك نعبد وإياك نستعين) وعنده تزكية أجل من كل تزكية (وإن جندنا لهم الغالبون) .
أيها الداعي الذي عَبَدَ الله طريق النجاةِ فيك قويمُ
أدعياءُ الضلال سحّارُ فرعون .. وأنت العصى وأنت الكليمُ
أما بعد:
فقد قرأت عشرات المجلدات والمصنفات والمؤلفات ، فما وجدت كالقرآن حسنًا وجمالًا ، بهجة ونضرة ، قوة وفخامة ، صدقًا وعدلا…. سعادة وإشراقًا .
وطالعت مئات المجلات والجرائد والدوريات والصحف فما رأيت كالسنة عطاءً وبركة ، وسلوةً وعزاء، وتوعية وتربية ، ورشدًا ونصحًا ، وتعليمًا وتقويما ، …
وسمعت آلاف الكلمات ، وآلاف الأبيات ، وآلاف اللطائف ، وآلاف النُكات ، فما وجدت كذكر الله إيماناَ ويقينًا ، وروحًا وطمأنينة ، وأنَسًا ورحمة ، وثوابًا وأجرا .
أما بعد: