فإن الداعية قد يكون غنيًا كسليمان ، وقد يكون فقيرًا كعيسى ، وقد يكون صحيحًا كإبراهيم ، وقد يكون مريضًا كأيوب ، وقد يطول عمره كنوح ، وقد يقصر كيوشع ، وقد يكون ملكًا كداود ، وقد يكون خياطًا كإدريس ، وقد يرعى الغنم كموسى وقد تمر به الحالات جميعًا من غنى وفقر ، ونصر وهزيمة ، ونعيم وبؤس ، وصحة ومرض ، وعافية وبلاء كمحمد - صلى الله عليه وسلم.
لأجل دينك ذاق القتل من قتلوا كأنما الموت في ساح الوغى عسل
ترى المحبين صرعى في ديارهم كفتية الكهف للرضوان قد نقلوا
وقد يكون الداعية واسع الخير ، متعدد المواهب ، كثير الإحسان ، عظيم البر، كأبي بكر الصديق ، وقد يكون صارمًا حازمًا قويًا شديدًا في الحق ذا صولة في الدين ، ذا هيبة في الملة كعمر بن الخطاب ، وقد يكون هينًا لينًا سهلًا قريبًا حبيبًا حييًا سخيًا كعثمانَ بن عفان ، وقد يكون مقدامًا شجاعًا ، أبيًا مضحيًا فدائيًا بطلًا كعلي بن أبي طالب . وقد يكون الداعية بحرًا في العلم ، دائرة معارف ، موسوعة في الشريعة كابن عباس ، وقد يكون خطيبًا لوذعيًا يرسل الكلمة كالقذيفة ، ويبعث الحرف كالشهاب ، ويطلق الجملة كالبركان كثابت بن قيس بن شماس . وقد يكون الداعية شاعرًا يرسم الحرف في القلب ، ويصنع البيت كالضياء وينسج القصيدة كقطعة الماسٍ كحسان بن ثابت .
وقد يكون للداعية حشم وخدم ، ومال وجمال ، وعيال كعبد الرحمن بن عوف ، وقد يكون الداعية فقيرًا معدمًا ، لا بيت ولا قصر ولا دار ولا عقار ولا دينار كأبي ذر ، وقد يتولى الداعية الإمامة كمعاذ ، والقضاء كعلي ، والأذان كبلال ، والمواريث كزيد ، والقيادة كخالد ، والإمارة كأبي عبيدة.
وقد يتكلم الداعية من بلاط السلطان كالزهري. وقد يتحدث من القبو كالسرخسي، وقد يُبجَّل ويُحتفى به كمالك بن أنس ، وقد يذهب دمه هدرًا ، ورأسه شذرًا كأحمد بن نصر الخزاعي.