مما يعين على وحدة الصف أن تتقوى الأواصر والصلات بين الدعاة والمصلحين، ويمكن أن يتم ذلك من خلال العلاقات الشخصية، والتزاور والاجتماع، وإقامة المشروعات المشتركة، والتعاون على الأعمال الدعوية والاحتسابية.
ومع ما في ذلك من تحقيق للمحبة والمودة فإنه يفتح المجال للنقاش حول أمور الخلاف حين يوجد الخلاف، فتكون هناك جسور مفتوحة يمكن التواصل من خلالها، أما حين لا يتم التواصل إلا عند الخلاف والنقاش فالغالب أنه يصعب أن يتحقق المراد.
ثالثًا: الموازنة بين قول الحق ووحدة الصف:
إنه لا يتصور أن يسعى شخص بقصد وإرادة إلى شق وحدة صف الأمة ودعاتها إلا مَنْ في قلبه نفاق وكره لانتصار الدين، لكن عامة ما يحصل إنما هو شعور بالغيرة على الدين، ورغبة في بيان ما يعتقد الشخص بأنه هو الحق، وإن كان الغالب أن أمثال هؤلاء لا يسلم من ملابسة الهوى.
ومن ثم فإن الاحتجاج ببيان الحق وحده لا يكفي، ولا بد ها هنا من مراعاة أمور:
أ - أن يكون الحق واضحا جليًا؛ ذلك أن كثيرًا من المسائل التي يشق فيها الصف، إما أن تكون من مسائل الاجتهاد والأمر فيها واسع؛ فحينها لا ينبغي الإنكار فيها، فضلًا عن إثارة الخصومة.
أو أن يكون الأمر فيها تحقيق مناط وتنزيل حكم على واقعة؛ فالأمر فيه واسع ولا يجوز أن يلزم الشخص بأصل الحكم؛ فمن يرى عدم مشروعية عمل من الأعمال المنسوبة للجهاد مثلًا لا يجوز أن يوصم بأنه ضد الجهاد والمجاهدين.
أو أن يكون الأمر إلزامًا بما لا يلزم الشخص أو لا يلتزم به.
ب - أن يقتضي الأمر البيان، وتكون مصلحة البيان أرجح من مصلحة السكوت، فليس كل ما يُعلم يقال.
وقد بوب البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب العلم من صحيحه: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وأورد فيه أثر علي ـ رضي الله عنه ـ: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» .