فهرس الكتاب

الصفحة 1326 من 2330

ولما كان عمل المرء في هذه الحياة، لا يكاد يخرج عن عضو من هذه الأعضاء، ولما كان المرء بطبعه خطاء، فقد يأكل الحرام أو يتكلم به، أو ينظر إليه أو يشمه، وقد يسمع الحرام أو يمشي إليه أو يمسك بالحرام أو نحو ذلك كان بحاجة ماسة، إلى ما يعينه، على تطهير أدرانه، وتكفير ذنوبه التي اقترفها بتلك الجوارح، فشرع الله برحمته وحكمته الوضوء، يزيل به الإصر والغل.

فإذا ما توضأ العبد المسلم فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قط الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب.

بذلكم أيها المسلمون صح الخبر عن المصطفى عند مسلم في صحيحه [7] . ولقد روى في صحيحه أيضا عن النبي أنه قال: (( ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره.. ) ) [8] الحديث.

والمكاره تكون بشدة البرد، أو ألم الجسم، أو حرارة الماء أو نحو ذلك.

إن هذا الوضوء المتجدد كل يوم مرات ومرات، هو الدرع الواقي بأمر الله، الذي يحفظ اليدين من القذر، والذراعين من الأوساخ، والفم من النتن، والأنف مما يعلق به، والعينين من الرمص [9] ، والرجلين من رائحتهما الكريهة، وهو فوق ذلك كله، يلطف حرارة الجسم، ويزيل عنه الخمول والتثاقل، ويبعث فيه النشاط. فيكون جديرا بأن يقيم الصلاة على وجهها؛ إذ يعسر مثل ذلك في حال الفتور والاسترخاء والملل، الذي يعقب خروج الفضلات من البدن فالحاقن [10] من البول والحاقب [11] من الغائط، والحازق [12] من الريح كالمريض، كل منهم تكره صلاته على هذه الحال؛ أخذا من قول المصطفى: (( لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان ) ) [13] ، فإذا توضأ المرء المسلم، زال عنه ذلك كله فنشط وانتعش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت