كتاب الله ميسَّر الحفظ، تدركه العقول، وترقّ له القلوب، يَلذُّ استماعه، ولا يُملُّ سماعه، وإن كان فيه من الأسرار ودقائق العلوم ما يختصّ به الراسخون من أهل الذكر.
أما محمد فقد بعثه الله رحمةً للعالمين أجمعين، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، حريص عليهم، عزيز عليه ما يُعنتهم ويشقُّ عليهم، يضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلّمًا ميسِّرًا ) )حديث متفق على صحته واللفظ لمسلم [4] ، وهو الذي يقول عن نفسه عليه الصلاة والسلام: (( أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) [5] ، وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يحبّ ما خفّ على الناس [6] .
أما أصول الدين وعقائده فقد جاءت ميسّرةً في مطلوباتها، واضحةً في أدلتها، من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وكماله، والإيمان بالملائكة والكتب والنبيين، والإيمان باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. والدلائل على ذلك ظاهرة من النظر في السماوات وفي الأرض وسائر المخلوقات، والسير في الأرض والاعتبار بآثار الأمم. ويكفي [في] ذلك مسلكُ أصحاب رسول الله والتابعين من بعدهم من السلف المقتدى بهم، لم يكونوا أهل تكلّف ولا كثرةِ سؤال أو اختلاف، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إياكم والتنطع، إياكم والتعمّق، وعليكم بالعتيق) [7] ، أي: الأمر القديم الذي عليه رسول الله وأصحابه، وهو اليسر والبعد عن التنطّع والتكلف والتشدّد والتعمّق.