فهرس الكتاب

الصفحة 1745 من 2330

.. عن الألسن .. التي كانوا بها يتكلمون .. وعن الأعين التي كانوا إلى اللذات

بها ينظرون ..

وسلهم عن الجلود الرقيقة .. والوجوه الحسنة .. والأجساد الناعمة ..

ما صنع بها الديدان ؟

محت الألوان .. وأكلت اللحمان .. وعفرت الوجوه .. ومحت المحاسن ..

وكسرت القفا .. وأبانت الأعضاء .. ومزقت الأشلاء ..

أين خدمهم وعبيدهم ..أين جمعهم ومكنوزهم ؟

والله ما زودوهم فَرْشا .. ولا وضعوا هناك متكئًا ..

أليسوا في منازل الخلوات .. وتحت أطباق الثرى في الفلوات ؟

أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟

قد حيل بينهم وبين العمل .. وفارقوا الأحبة والأهل ..

قد تزوجت نساؤهم .. وترددت في الطرق أبناؤهم ..

وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم ..

ومنهم والله الموسع له في قبره .. الغض الناضر فيه .. المتنعم بلذته ..

ثم بكى عمر وقال:

يا ساكن القبر غدًا ..

ما الذي غرك من الدنيا ! ..

أين رقاق ثيابك .. أين طيبك .. أين بخورك ..

كيف أنت على خشونة الثرى ..

ليت شعري بأي خديك يبدأ الدود البِلى ..

ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا .. وما يأتيني به من

رسالة ربي ..ثم بكى بكاءً ..

ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة .. ومات .. رحمه الله ..

أهلُ القبور إما معذبون أو منعّمون ..

بل لعله في القبر الواحد دُفن عدة أشخاص .. هذا إلى الجنة وهذا إلى النار ..

بل يا أُخَيَّ ..إن الأمر أعجب من ذلك ..

لعل تحت قدميك الآن أقوام يُعذبون أو ينعمون ..

بل لعل تحتك في غرفة نومك أقواما محبوسين في حفر من جهنم ..

يعرضون على النار بكرة وعشيًا ..

من يدري فالناس كثير .. والأرض قد تضيق عنهم ..

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب * فأين القبور من عهد عاد

خفف الوَطْء ما أظن أديم الأرض * إلا من هذه الأجساد

رُبَّ قبر قد صار قبرًا مرارًا * ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

ودفين على رفات دفين * من قديم الزمان والآماد

تعب كلها الحياة فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت