ولعلاج ذلك العضو الشاكى لا بد من تشخيص دقيق للداء الذي أصابه, فإذ كان كافة المؤمنين هم الجسد فإن أعيانهم هي الأعضاء, وبمجموعهم يتكون جسد الأمة, لذا أحببت أن يكون ما تقدم من أمثلة نموذجاُ لعضو أو بعض من هذا الجسد أصابه الداء نسترشد في تشخيصه بأنوار الوحي"فكل الصيد في جوف الفرا"ومعنى الفَرَا: حمار الوحش. وهو مثل يضرب لِمَا يُغْني عن غيره.
عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الحلال بين وإن الحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس, فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه, ألا وإن لكل ملك حمى, ألا وإن حمى الله محارمه"رواه مسلم, ح/2996.
قال ابن رجب - رحمه الله -: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مَثَل المحرمات كالحمى الذي تحميه الملوك ويمنعون غيرهيم من قربانه, والله - عز وجل - حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال - سبحانه -: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) البقرة: 187. وهذا فيه بيان أنه حدَّ لهم ما أحل لهم, وحدَّ لهم ما حرم عليهم , فلا يقربوا الحرام ولا يتعدوا الحلال, ولذلك قال في آية أخرى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) البقرة: 229 وجعل من يرعى حول الحمى وقريبًا منه جديرًا بأن يدحل الحمى ويرتع فيه, وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل المسلم بينه وبينها حاجزًا . جامع العلوم والحكم (208) بتصرف.