: فلما سمعت ذلك منه أخذته معنا ، فوالله ما رأينا أنشط منه ، إن ركبنا فهو أسرعنا ، وإن نزلنا فهو أنشطنا ، وهو في كل أحواله لا يفتر لسانه عن
ذكر الله تعالى أبدًا ...
إذ رأيت قصرًا يتلألأ أنوارًا لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وإذا شُرفاته من الدرّ والياقوت والجوهر ، وأبوابه من ذهب ، وإذا ستور مرخية على شرفاته ،
وإذا جوار يرفعن الستور ، وجوههن كالأقمار ..
تقدم يرحمك الله فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر ، قوائمه من الفضة البيضاء ، عليه جارية وجهها كأنه الشمس ،
لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية ..
فلما رأتني الجارية قالت: مرحبًا بولي الله وحبيبه .. أنا لك وأنت لي
فلما اقتربت منها قالت: .. ..
فجالت الأبطال ، ورميت النبال ، وجردت السيوف ، وتكسرت الجماجم ، وتطايرت الأيدي والأرجل ..
واشتد علينا القتال حتى اشتغل كلٌ بنفسه ، وقال كل خليل كنت آمله ..
فالتفت أبو قدامة إلى مصدر الصوت فإذا الجسد جسد الغلام
وإذا الرماح قد تسابقت إليه ، والخيلُ قد وطئت عليه
فمزقت اللحمان ، وأدمت اللسان
وفرقت الأعضاء ، وكسرت العظام ..
وإذا هو يتيم ملقى في الصحراء
قال أبو قدامة: فأقبلت إليه ، وانطرحت بين يديه ، وصرخت: هاأنا أبو قدامة .. هاأنا أبو قدامة ..
فقال: الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصي إليك ، فاسمع وصيتي
قال أبو قدامة: فبكيت والله على محاسنه وجماله ، ورحمةً بأمه ، وأخذت طرف ثوبي أمسح الدم عن وجهه
فقال: تمسح الدم عن وجهي بثوبك !! بل امسح الدم بثوبي لا بثوبك ، فثوبي أحق بالوسخ من ثوبك ..
قال أبو قدامة: فبكيت والله ولم أحر جوابًا ..
فقال: يا عم ، أقسمت عليك إذا أنا مت أن ترجع إلى الرقة ، ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه ، وأن ولدها قد قتل في سبيل الله مقبلًا غير مدبر ،