وصنف مؤمن بالله مصدق بلقائه، ولكنه هائم في بيداء الحياة، ذاهل وراء مطالب العيش، مستغرق المشاعر بين شتى المظاهر، فهو لا يكاد يتصل بسر والوجود، أو يتمحض لرب العالمين. ومع هذا الصنف المؤمن نقف لنرسل الحديث... هناك قوم لا تخلص لله معاملاتهم، بل هى مشوبة بحظوظ النفس ورغبات العاجلة، وهؤلاء لن يتجاوزوا أماكنهم ما بقيت نياتهم مدخولة، حتى إذا شرعت أفئدتهم تصفو بدءوا المسير إلى الأمام. وهناك قوم يعاملون الله وهم مشغولون بأجره عن وجهه أو بمطالبهم منه عن الذى ينبغى له منهم، وهؤلاء ينتقلون عن أنفسهم من طريق ليعودوا إليها عن طريق أخرى. إنهم مقيدون بسلاسل متينة مع أنانيتهم فهم يسيرون ولكن حولها، لو حسنت معرفتهم لله ما حجبتهم عنه رغبات مادية ولا معنوية، بل لطغى عليهم الشعور به، وبما يجب له، وتخطوا كل شىء دونه، فلم يهدءوا إلا في ساحته، ولم يطمئنوا إلا لما يرضيه هو جل شأنه، على حد قول أبى فراس: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذى بينى وبينك عامر وبينى وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذى فوق التراب تراب وابن عطاء الله يرى أن العامة يترددون بين مآربهم، كحركة بندول الساعة لا تتجاوز موضعها على طول السعى، أو هم على حد تعبيره كحمار الرحى ينتقل من كون إلى كون، والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه. والواجب على المؤمن أن يقصد وجه الله قصدا، وأن يتقصى تقصيا عن ألوف الأربطة التى تشده إلى الدنيا، وتخلد إلى الأرض!!. ومن خدع الحياة أن المرء قد يعمل لنفسه وهو يحسب أنه يعمل لله، ولو وضعت بواعثه الكامنة تحت مجهر مكبر لاستبان أن كثيرا من دواعى غضبه وسروره، وتعبه وراحته، يصلها بوجه الله خيط واه، على حين تصلها بحظوظ النفس حبال شداد. وهنا الخطر المخوف، إن الهجرة إذا كانت لله فقد مضت وقبلت، وإلا فالأمر كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من هاجر إلى دنيا يصيبها"