يحمدوه، وأن يفتحوا عيونهم على آيات العظمة، ولا يمجدوه... إن الدواب إذا وجدت أقواتها التهمتها، ما تعى شيئا غير هذا، وإذا فقدتها أحست لذع الجوع، ما تعى شيئا غير هذا، وإذا استمتعت بالعافية جرت ووثبت، وإذا قيدها المرض استكانت وهمدت، ما تعى شيئا غير هذا... ... إنها لا تعرف صبرا على بأساء، ولا شكرا على نعماء... وكذلك يريد الشيطان من أبناء آدم أن يعيشوا على هذا النمط المنحط، لا ذكر، ولا شكر. وكذلك آلى إبليس على نفسه يوم أخرج من الجنة فقال: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) . وأسوأ ما يكون الجحود عندما يكون جماعيا تنحدر إليه أمة بأسرها. فترى كأن هناك تواصيا على ألا يذكر الله بخير!! بل ترى كأن هناك اتفاقا مكتوبا أو غير مكتوب على أن تلتهم أفضال الله، وتنسب ذلك إلى أى شىء ما عداه...!!! وهل هلكت عاد، وهلكت ثمود، إلا بهذا الخلق الدنىء؟. قيل لعاد: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) . وقيل لثمود: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) . لكن هؤلاء وأولئك لم يستشعروا فيض النعم الذى سال في أرجاء بلادهم فحرموا ما جحدوا، وسلبوا ما غمطوا، وحقت عليهم كلمة العذاب. وقد أهاب الله بخلقه ألا يردوا هذه الموارد الوبيئة فقال: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) . ومع ذلك، فما أقل الذين يعترفون بالفضل، ويشعرون بالجميل: (وقليل من عبادي الشكور) . وإنه ليسرنا أن نثبت هنا باقة من النصوص والآثار الحافزة على الشكر، المشيعة لعواطفه في الأفئدة نقلا عن الإمام الجليل ابن القيم رضى الله عنه. 18 ص