فياليتنى قدرت على عمر نوح، فإن العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل رفع ونفع). عندما قرأت كتاب"صيد الخاطر"لابن الجوزى أحسست أن الرجل عبر بكلمات بصيرة بليغة عن خوالج نفسية تحركت في باطنى، وسجلت أطرافا منها قبل أن أطلع على كتابه هذا. وربطنى بالرجل إلى جانب ذلك أنه مشغول بتعليم الإسلام ونصح الجماهير، وهى الوظيفة التى شرفنى القدر بها... والناس يظنون في رجال الدين ـ كما يسمونهم ـ جمود الحس، وسواد المزاج، وفقدان القدرة على تذوق الحياة. وهذه أوصاف قد توجد في نفر ممن نكبت به الأديان قديما وحديثا، وهى موجودة يقينا في طوائف أخرى، ولكن سوء الحظ جعل النظرة العجلى تتناول خدام الإيمان وحدهم بهذا الاتهام...!! وكثيرا ما أبتسم في حرج ونفرة وأنا أرى كثيرا من المعلولين في خلقهم الغموصين في مواهبهم يستطيعون ـ بحكم مراكزهم القوية في المجتمع ـ أن ينالوا منا، وأن يضربوا حولنا أسوارا من حديد لنحيا كما يريدون لا كما تتطلب ملكاتنا وقدراتنا و خبراتنا. وكم يكظم الإنسان الآلام في نفسه، وهو مفعم بالأشواق إلى الجمال والعزة والاستغناء، ثم يمد بصره فلا يرى حوله إلا الدمامة والهوان والعيلة. وما أغرب الناس، إنهم يشتهون الدنيا، وينحنون لملاكها في ضراعة ووضاعة، وفى الوقت نفسه يحرمونها على علماء الدين؟ ثم يحتقرونهم لفقرهم، ولكل ما يستتبعه الفقر من مسكنة وقلق. وكم يشعر الإنسان أنه بين نارين، إن سكت عن حقه في الحياة ضاع واستمكن الرعاع من زمامه، وإن طلبه ـ في بيئة ضنينة به ـ قيل: طلب دنيا يزاحم عليها.. إن أمثالنا من الدعاة إلى الله ينقلون أقدامهم بوجل في سبيل مزحومة بالأقذاء والإنكار، لا يعين على السلامة فيها إلا الله، والذى لا نسأم دعاءه ورجاءه. وما أنكر من نفسى أنى أحب الدنيا، ولبئست هى إن كانت مهادنة لظالم أو إغضاء عن منكر. 203