فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 220

أما أن تكون دعما للحق، وغنى عن الأدنياء فنعما هى... إن وجه الرذيلة شائه في بصرنا، وطعمها مر في مذاقنا، ونحمد الله إذ أورثنا كرهها. أما طيبات الحياة التى تلهج الألسنة بالثناء، وتبعث الجوارح على الشكر فنعما هى، وما نستحيى من استحلائها والإكثار منها... وربما كان لبعض الناس جلادة على خشونة العيش، واصطبار على كآبة المنظر في الأهل والمال، لكنى والله أضيق بهذا وأستعيذ بالله منه. ولست أطلب من الله سعة تشغل عنه، بل أطلب سعة تدفع إليه، وكثيرا يحصن من زراية السفهاء، ولعب الكبراء... فإن كان ذلك بابا إلى نقص العلم، أو هوان المنزلة يوم القيامة فنرجو أن يجعل الله بيننا وبينه حجابا غليظا وأمدا بعيدا... جالت هذه الخطرة في نفسى وأنا أقرأ لابن الجوزى هذه النفثة التى سطرها في كتابه"صيد الخاطر"يصف بها حياته ورجاءه. وقلت: ألا ما أقرب الشبه بين عيش وعيش، وأمل وأمل. قال: ـ غفر الله لنا وله ـ:"ما ابتلى الإنسان قط بأعظم من علو همته، فإن من علت همته يختار المعالى. وربما لا يساعد الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب. وإنى أعطيت من علو الهمة طرفا فأنا به في عذاب، ولا أقول: ليته لم يكن، فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل. ولقد رأيت أقواما يصفون علو هممهم. فتأملتها فإذا هى في فن واحد، ولا يبالون بالنقص فيما هو أهم، قال الرضى: ولكل جسم في النحول بليلة وبلاء جسمى من تفاوت همتى فنظرت فإذا هذا غاية أمله الإمارة. وكان أبو مسلم الخرسانى في حال شبيبته لا يكاد ينام، فقيل له في ذلك، فقال: ذهن صاف، وهم بعيد، ونفسى تتوق إلى معالى الأمور مع عيش كعيش الهمج الرعاع. قيل: فما الذى يبرد غليلك. قال: الظفر بالملك. قيل: فاطلبه، قال: لا يطلب إلا بالأهوال. 204"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت