قيل: فاركب الأهوال، قال!: العقل مانع. قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلى جهلا، وأحاول به خطرا لا ينال إلا بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به، فإن الخمول أخو العدم. فنظرت إلى حال هذا المسكين، فإذا هو قد ضيع أهم المهمات، وهو جانب الآخرة، وانتصب في طلب الولايات، فكم فتك وقتل؟ حتى نالى بعض مراده من لذات الدنيا. ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين. ثم اغتيل، ونسى تدبر العقل، فقتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال. وكان المتنبى يقول: وفى الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكن قلبا ـ بين جنبى ـ ماله مدى ينتهى بى في مراد أحده يرى جسمه يكسى شفوفا تربه فيختار أن يكسى دروعا تهده فتأملت هذا الآخر، فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب. ونظرت إلى علو همتى فرأيتها عجبا. وذلك أننى أروم من العلم ما أتيقن أنى لا أصل إليه، لأنى أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها. وأريد استقصاء كل فن، وهذا أمر يعجز العمر عن بعضه. فإن عرض لى ذو همة في فن بلغ منتهاه ورأيته ناقضا في غيره، لم أعد همته تامة. مثل المحدث الذى فاته الفقه، والفقيه الذى فاته علم الحديث، فلا أرى الرضى بنقصان شىء من العلوم إلا حادثا عن نقص الهمة. ثم إنى أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بشر، وزهادة معروف، وهذا مع مطالعة التصانيف، وإفادة الخلق ومعاشرتهم بعيد. ثم إنى أروم الغنى عن الخلق، واستشرف الإفضال عليهم، والاشتغال بالعلم من الكسب وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية. ثم إنى أتوق إلى طلب الأولاد، كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى الخلفان نائبين عنى بعد التلف. وفى طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد. ثم أرنى أروم الاستمتاع بالمستحسنات، وفى ذلك امتناع من جهة قلة المال، ثم لو حصل فرق جمع الهمة. وكذلك أطلب لبدنى ما يصلحه من المطاعم والمشارب، فإنه متعود للترفه 205