قيامه، ويقل رقاده. أيهما أحب إليك؟ قالت: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما سألتنى، فقال: أحسنهما عقلا، فقلت يا رسول الله. إنما أسألك عن عبادتهما. فقال: يا عائشة إنهما لا يسألان عن عبادتهما إنما يسألان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد، فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله". وكان يغيظنى من الآخرين استكبارهم لما هدوا إليه من صواب في بعض الأحكام العقيدية والفقهية، واستهانتهم بآفات القلوب وفراغهم من حرارة الإقبال على الله، والحنو على عباده. وقديما شكا الإمام ابن القيم من أن بعض المدرسين والمفتين والقضاة غلب عليهم جفاف الطبع، وقسوة القلب، وإن كانت براعتهم النظرية في ميدان العلم لا مطعن فيها. والمسلم الكامل رجل نير الذهن والقلب معا. حاد البصر والبصيرة جميعا تتعانق فكرته وعاطفته في معاملته لله، ومعاملته للناس، فلا تدرى أيهما أسبق؟ صدق أدبه أم حسن معرفته، ولا تدرى أيهما أروع؟ خصوبة نفسه الجياشة أم فطانة عقله اللماح؟.. وهذه الصفات مشتقة من طبيعة الإسلام نفسه، فهو دين يبنى عقائده ـ من ناحية الصحة العقلية ـ على أسس فكرية تشبه البديهيات في علوم الرياضة من حساب وجبر وهندسة. والركائز العقلية لهذا الدين ثابتة فيما شرع من معاملات عامة، وفيما يعرض لها من مشكلات متجددة. وإلى جانب هذا فالإسلام دين عبادة تقوم على سلامة القلب، وشحنه بالإخلاص، والمحبة والأدب؟ وتجريده من الهوى والأثرة والغش. وسيرة صاحب الرسالة صلوات الله عليه مثل لهذا الازدواج بين يقظة القلب واللب والتقائهما في سلوك واحد. 013