صادقا من يتعمد الكذب في نصف أخباره، ويتحرى الصدق في نصفها الآخر. بل من الصعب تصور أن فضيلة الصدق تكونت لدى هذا الإنسان. وليس محسنا من تراه في نصف أعماله ردئ التصرف غبى السلوك، وفى نصفها الآخر مجيدا، مستحب السيرة. بل، بعيد أن يوجد هذا الصنف المختلط، فإن الفضائل لا تتجزأ. والإحسان عمل ما من الأعمال المعتادة صورة واحدة يعرفها المؤمن والكافر على سواء، إذ أساس الإحسان في هذه الأعمال إيقاعها وفق القوانين المقررة لها في دنيا الناس. فالجراحة التى يجريها طبيب مسلم هى هى التى يجريها طبيب شيوعى أو وجودى، أو يهودى. ويمكن الحكم عليها أو لها من الناحية العلمية الخالصة. ووصفها بالحسن أو القبح لا مرجع له إلا هذه الأصول الفنية المتدارسة بين أجناس البشر، وليس يقبل من أحد مهما كانت نحلته أن يقصر في هذه القواعد المتواضع عليها. والفارق بين صدور هذه الجراحة من رجل مسلم، وبين صدورها من شخص آخر، أن المسلم لا تفوته في أى عمل نية الخير، ولا تنفك عنه صلته بالله ، وقصد وجهه فيما يأتى ويترك... أى أن صورة العمل المشتركة لا تفاوت فيها بين المسلمين ومخالفيهم في العقائد والوجهات. أما الصورة النفسية الباطنة فهى تختلف بين هذا وذاك. والمسلم من الناحية الدينية لا يسمى محسنا إلا إذا استجمع الكمال الحسى فيما أدى من عمل، والصفاء النفسى ـ أعنى قصد الله ـ فيه. وليس يقبل منه بتة ـ مهما صلحت نيته ـ أن يسئ أو يقصر، أو يترخص، أو يتجاوز، اتكالا على هذه النية الكاملة. فإذا شرك المسلمون غيرهم في أحوال الحياة وشئون الدنيا وفق هذه القواعد فيجب ألا تنسى شيئا آخر انفردت به الجماعة الإسلامية وهو العبادات المحض التى كتبت عليهم وطولبوا بأدائها. إن الإحسان أن نقوم بها كافة على وجهها المشروع، كما أثرت عن صاحب الرسالة، متحرين في صلاتنا وزكاتنا وصيامنا وحجنا أن نتأسى به، وأن نلتزم سنته. وقد شرح القرآن الكريم أن الإحسان بهذا الشمول