طريق التمكين في الحياة، والاستيلاء على أزمتها، وملئها باليمن والبركة. 081
كان يوسف الصديق شابا بادى العفة، راسخ اليقين، متين الخلق، عظيم الثقة في الله، اجتاز الأزمات التى مرت به من تشريد، وسجن، وتلويث سمعة وكآبة عيش، فلم يهن له عزم، ولم تزل له قدم، ولم يطش له هدف. فماذا كانت عقبى هذا الإحسان؟ كانت العقبى أن الرجل المختطف المستضعف يلى أضخم المناصب، وتصير الجماهير طوع بنانه. (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) . ذلك كله في الدنيا أما بعد ذلك: (* ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) . وليوسف مع إخوته آلذين أهانوه، ولم يتقوا الله فيه، موقف آخر: إن الإحسان بلغ به المدى، وجعله في مصر مناط الآمال ومحط الرحال، لكن الدنيا تقلبت بهؤلاء الاخوة، وجزتهم بسوء أنفسهم سوءا في معايشهم اضطرهم إلى النجعة يطلبون القوت من ولى الأمر في مصر، ودار بينهم وبينه حوار عرفوا منه: أى رجل يخاطبون. (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين * قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) . والجملة الأخيرة يجب أن تكون في السلوك الاجتماعى قانونا علميا كالقوانين المقررة في علوم الرياضة والإحياء. إن الإحسان لا يضيع غرسه، ولن تتخلى العناية الإلهية عن أصحابه، مهما كبت بهم الحظوظ. وتعثرت بهم في المراحل الأولى. وليس الإحسان جلودة ذهن طبيعته الغفلة، أو يقظة نفس طبيعتها الركود إنه خليقة مستقرة، وملكة تتكون من حب الإتقان وهواية الكمال،