وقال الفرّاء: القانع هو الّذي يأتيك فيسألك؛ فإن أعطيته قبل، والمعترّ: الّذي يجلس عند الذبيحة، ويمسك عن السؤال، كأنّه يعرّض في المسألة ولا يصرّح بها، يقال قنع الرجل قناعة إذا رضى، وقنع قنوعا إذا سأل.
فأما قوله: «لا جرم» فقال قوم: معنى جرم كسب، وقالوا في قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل: 62] ، أنّ «لا» ردّ على الكفار، ثم ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، وقال الشاعر:
نصبنا رأسه في رأس جذع … بما جرمت يداه وما اعتدينا [1]
أى: بما كسبت. وقال آخرون: معنى «جرم» حقّ، وتأول الآية بمعنى حقّق قولهم أن لهم النار؛ وأنشدوا:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة … جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أراد: حقّقت فزارة، وروى الفرّاء «فزارة» ، بالنصب على معنى كسبت [2] الطعنة فزارة الغضب/، وقال الفراء: لا جرم في الأصل مثل لا بدّ، ولا محالة، ثم استعملته العرب في معنى حقا، وجاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم لأقومنّ؛ كما قالوا: والله لأقومنّ، وفيها لغات، يقال: لا جرم، ولا جرم، بضم الجيم وتسكين الراء، ولا جر، بحذف الميم، ولا ذا جرم؛ قال الشاعر:
إنّ كلابا والدى لا ذا جرم [3] … لأهدرنّ اليوم هدرا في النّعم [4]
* هدر المعنّى [5] ذى الشّقاشيق اللهم [6] *
(1) البيت في اللسان (جرم) ، ونسبه إلى أبى أسماء بن الضريبة.
(2) د: «أكسبت» .
(3) البيت في اللسان (جرم) من غير عزو.
(4) لأهدرن: لأصوتن؛ من الهدير، وهو تردد صوت البعير في حنجرته.
(5) حاشية ت (من نسخة) : «المغنى» .
(6) حواشى الأصل، ت، ف: المعنى: الّذي يدخل العنة من الإبل؛ وهى الحظيرة؛ وذلك أن الفحل اللئيم إذا هاج حبس حتى لا يضرب في النوق الكرام، ومنه قول الوليد بن عقبة:
قطعت الدهر كالسّدم المعنّى … تهدّر في دمشق فلا تريم