قال المرتضى أدام الله علوّه: ومما يشاكل قوله: «إلى الجنة» في جواب قول النبي صلى الله عليه وآله: «أين المظهر يا أبا ليلى» - وإن كان يتضمّن العكس من معناه- ما روى من دخول الأخطل على عبد الملك بن مروان، مستغيثا من فعل الجحّاف السّلمىّ، وأنه أنشده:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعوّل [1]
/ فإن لم تغيّرها قريش بملكها … يكن عن قريش مستماز ومزحل [2]
فقال عبد الملك له: إلى أين يا ابن اللّخناء؟ فقال: إلى النار، قال: لو قلت غيرها لقطعت لسانك.
فقوله: «النار» تخلّص مليح على البديهة، كما تخلّص الجعدىّ بقوله: «إلى الجنة» .
وأول قصيدة الجعدىّ الّذي ذكرنا منها الأبيات:
خليلىّ غضّا ساعة وتهجّرا [3] … ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تسألا، إنّ الحياة قصيرة … فطيرا لروعات الحوادث أوقرا
وإن كان أمر لا تطيقان دفعه … فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها … قليل إذا ما الشّيء ولى فأدبرا [4]
لوى الله علم الغيب عمّن سواءه … ويعلم منه ما مضى وتأخّرا
وفيها يقول:
وجاهدت حتّى ما أحسّ ومن معى … سهيلا إذا ما لاح ثمّ تغوّرا
-يريد: إنى كنت بالشام، وسهيل لا يكاد يرى هناك، وهذا بيت معنى- وفيها يقول:
ونحن أناس لا نعوّد خيلنا … إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
(1) ديوانه: 10 والطبقات: 412، والبشر: جبل بالجريرة، يمتد من عرض الفرات إلى أرض الشام، وهو الجحاف بن حكيم السلمى، وانظر خبره وقصة يوم البشر في الأغانى 11: 55 - 60.
(2) يقال: امتاز القوم إذا تنحى عصابة منهم ناحية، وكذلك استماز؛ ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت. والمزحل: الموضع: الّذي ينزحل إليه؛ أى يتنحى ويتباعد. وانظر اللسان (ميز- زحل) .
(3) التهجر: السير في الهاجرة.
(4) حاشية ت: «بعده:
يهيج اللحاء والملامة ثم ما … يقرّب منّا غير ما كان قدّرا.