بإطلاق العنان لهذه الجياد الجامحة في نفسه؛ فهو طورًا يمجد الجمال ويتفهم الحب، وطورًا ينزع إلى الرغبة في التحرر من كل قيد، وطورًا تعود به نفسه إلى طبيعته الأولى فيستهويه صوت المؤذن ويخشع قلبه للدين وتعاليمه
وأنت إذا قرأت هذه القصة على هذا النحو أمكنك بسهولة أن تدرك لماذا لم يحتفل المؤلف بأسلوبه، وكيف جاءت ألفاظه مكررة في بعض المواضع، ولأي شيء التجأ إلى الغموض والإبهام في عباراته
إنه يرسم صورة من نفسه، ونفسه ترسف في أغلال قوية وتحاول الخروج منها، فإذا عجزت عن المحاولة ترنمت بالإيمان، وإذا نجحت في التنفيس عن كرباتها فرحت بهذه الأضواء الباهرة التي يجد فيها حياته كلها وجميع أمانيه. . .
أما قصته (رجل. . .) وقصصه الصغيرة الأخرى، فعلى هذا الطراز الفخم من الدقة والقوة والمتانة. . قصص يمكنك أن تقول عنها إنها من أقوى القصص المصرية الناجحة، دون أن يضطرب ضميرك، أو تنزعج نفسك، ومن بينها قصة (الأعمى) . إنها صورة صادقة من أبلغ ما كتب الأدباء المصريون، وقد امتزج فيها الفن بالواقع، فترى أمامك مزيجًا منهما يلزمك أن تعاود قراءتها
ولست في الواقع أريد أن أتحدث كثيرًا عن هذه الباكورة الشهية التي تفتحت عنها جهود شاب أديب، وكان خيرًا لي وله أن أصبر طويلًا حتى أستوعب هذه القصص وأكتب عنها طويلًا، ولكننا في هذه الأيام نحتاج إلى السرعة والتعجل حتى لا نفقد الفرصة المناسبة، ولهذا كتبت تلك الكلمة الصغيرة على الرغم مني
والذي ألاحظه كثيرا في هذه القصص أن ناقدها لا يستطيع أن يسبر غورها مهما حاول ذلك. . . أترى لأن كاتبها لجأ إلى الغموض كما أوضحت، أم لأنها قصص كتب بعضها عن شخص مؤلفها، فما دام هو يفهم رموزها ويستشف غامضها كان على قرائه أن يقنعوا من الرموز والغموض بما وصلت إليه أفهامهم؟
لست أدري. . ومع ذلك فهذه القصص اللطيفة صغيرة الحجم وثمنها زهيد، وما على القارئ إلا أن يقتنيها ليرى كيف يبدأ شاب أديب فجر حياته الأدبية؛ وإذا كانت هذه هي بدايته المباركة فماذا عسى أن يكون بعد سنوات؟