الرجعة، ولما قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: (ويشهد على رجعتها) فأنه لم يرد طلب الإشهاد فيها في شيء من القرآن إلا في هذه الآية، ولم يرد أيضًا في شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد ورد في أقوال الصحابة والتابعين، كما نقلنا عن ابن عباس وغيره
وكما روى أبو داود (ج3 ص257) ، وابن ماجه (ج1 ص 319) عن مطرف بن عبد الله: (أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: طلَّقت لغير سنة، وراجعتَ لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد) ، وروى البيهقي في السنن الكبرى (ج7 ص373) نحوه من طريق ابن سيرين عن عمران بن حصين، وإسناده عند أبى داود إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص228)
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن نافع قال: (طلق ابن عمر امرأته صفية بنت أبى عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها اشهد على رجعتها ودخل عليها)
فعبد الله بن عمر فهم من الآية أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الرجعة ولذلك أشهد على رجعة مطلقته، وعمران بن حصين فهم ذلك أيضًا، وأنكر على من طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد، وأعتبره مخالفًا للسنة، إذ خالف ما أمر به في القرآن. وهما عربيان يفهمان لغتهما بالفطرة السليمة، قبل فساد الألسنة، ودخول العجمة على الناس
وأنا إذ أحتج بأقوال من نقلت قولهم من الصحابة والتابعين والمفسرين فإنما أحتج بها من وجهة الدلالة العربية وفهم مناحي الكلام في الآيات الكريمة، لا من جهة الرأي الفقهي الاستنباطي، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كبيرًا، فبعضهم يرى وجو بالإشهاد على الطلاق وحده ويجعله شرطًا في صحته، وبعضهم يرى وجوبه على الرجعة وحدها ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًا فقط في أمرين، وبعضهم يراه واجبًا فيهما ولا يراه شرطًا في صحة واحد منهما، كما يفهم من كلام عمران بن حصين
وأما الذي أراه واذهب إليه فهو وجوب الإشهاد في الأمرين جميعا وانه شرط في صحة كل منهما، لأنه ثبت من دلالة الآيتين في أول سورة الطلاق إن الله سبحانه أمر الرجلين