عن وزيرها الكبير ابن الخطيب، فاقترح عليه صديقه المولى أحمد شاهين أن يضع كتابًا في التعريف بابن الخطيب، ومناقبه، وتراثه من نظم ونثر؛ فاعتذر أولًا بكثرة مشاغله، وقلة مادته ومراجعه، وخصوصًا لأنه ترك معظمها في المغرب، ولكنه اضطر إزاء الإلحاح أن ينزل عند هذه الرغبة، ووعد بالوفاء منذ عوده إلى القاهرة
وعاد المقري إلى القاهرة بعد أن أنفق في دمشق بضعة أسابيع، وعكف حينًا على إنجاز المهمة التي أخذها على نفسه، أعني كتابة ترجمة ابن الخطيب والتعريف بمآثره وتراثه؛ ويقول لنا أنه استطاع غير بعيد أن ينجز منه قسمًا لا بأس به، ولكن عاقته عن إتمامه مشاغل وهموم؛ والظاهر أن المقري لم يكن في مقامه النائي عن وطنه، هانئًا قرير البال، فهو يحدثنا غير مرة عن آلام الغربة ومتاعبها. ومما يقول في ذلك: (وليت شعري علام يحسد من أبدل الاغتراب شارته، وأضعف الاضطراب إشارته، وأنهل بالدموع أنوائه، وقلل أضوائه، وكثر علله وأدوائه، غير عنده التأمل رواءه، وثنى عن المأمول عنانه، وأرهف بالخمول سنانه، حتى قدح الذكر حنانه، وملأ الفكر جأشه وجنانه. . . وشتان ما بين الاقتراب والاغتراب، والسكون في الركون، والنبو عنها والاضطراب، فذاك تسهل غالبًا فيه الأغراض والمآرب، وهذا تتعثر فيه المقاصد وتتكدر المشارب
وما أنا عن تحصيل دنيا بعاجز ... ولكن أرى تحصيلها بالدنية
وإن طاوعتني رقة الحال مرة ... أبت فعلها أخلاق نفس أبية
وقوله:
تركت رسوم عزي في بلادي ... وصرت بمصر منسي الرسوم
وصنت النفس بالتجريد زهدًا ... وقلت لها عن العلياء صومي
مخافة أن أرى بالحرص ممن ... يكون زمانه أحد الخصوم
كان المقري إذن في منفاه متعبًا معنى؛ والظاهر أنها كانت متاعب العيش فوق شجون الاغتراب؛ فقد كانت سوق العلم والأدب يومئذ كاسدة، وكان المجتمع القاهري قد فقد في ظل النير التركي بهاءه وسعته ورخاءه، وعفت روعة الأزهر الذي كان من قبل موئل الوافدين من كل صوب
ولكن المقري عاد فاستأنف الكتابة نزولًا على إلحاف صديقه أحمد شاهين واستنجازه،