على مثل هذا العدد من الرؤوس. بوسعك الآن أن تشفي العميان والمقعدين فتخفف الأثقال، وتريح المتعبين. تلك هي الطريقة المثلى لهداية هؤلاء القوم إلى الإيمان بزارا
فأجاب زارا:
-من يرفع عن ظهر الأحدب حدبته فقد نزع منه ذكاءه. هذه هي تعاليم الشعب. وإذا أعيد النور إلى عيني الأعمى فأنه ليرى على الأرض كثيرًا من قبيح الأشياء فيلعن من سبب شفاءه. ومن يطلق رجل الأعرج من قيدها فانه يورثه أذية كبرى إذ لا يكاد يسير ركضًا حتى تتحكم فيه رذائله فتدفعه إلى غاياتها. هذه هي التعاليم التي ينشرها الشعب. وهل على زارا إلا أن يأخذ عن الشعب ما أخذه الشعب عنه؟
غير أنني منذ نزلت بين الناس سهل على أن أرى منهم من تنقصه عين، ومن تنقصه أذن، وآخر فقد رجليه؛ وهنالك من فقدوا لسانهم أو أنفهم أو رأسهم.
وهكذا رأيت أقبح الأمور. وهنالك أشياء أشد قبحًا مما ذكرت لا يسعني ذكرها فما يصعب عليّ سكوت عن أكثرها.
رأيت رجالًا فقدوا كل شيء، غير أنهم يملكون شيئًا يسوده الإفراط، فهم رجال كأنهم عين عظيمة أو فم واسع أو بطن كبير أو عضو آخر كبير لا غير. وما هؤلاء الناس إلا أهل العاهات المعكوسة
وعندما عدت من عزلتي لأجتاز هذا الجسر للمرة الأولى وقفت مندهشًا لا أصدق ما أرى فقلت: هذه أذن، أذن وسيعة كأنها قامة رجل؛ وتقدمت إليها فلاح لي وراءها شيء صغير لم يزل يتحرك وهو ناحل ضعيف يستدعي الإشفاق، فان الأذن الكبرى كانت قائمة على ساق دقيق. وما كانت هذه الساق إلا إنسانًا. ولو أنك تفرست في هذا الشيء بنظارة لرأيت فوقه وجهًا يتقطب بالحسد وينم عن روح صغيرة تريد الانتفاخ وترتجف على قاعدتها.
وقال لي الشعب: إن هذه الأذن ليست رجلًا فحسب، بل هيأيضًا رجل عظيم بل عبقري من عباقرة الزمان. غير أنني ما صدقت الشعب يومًا إذا هو تكلم عن عظماء الرجال، فاحتفظت بعقيدتي وهي أن هذا الرجل ذو عاهة معكوسة إذ ليس له إلا القليل من كل شيء والكثير من شيء واحد.
وبعد أن وجه زارا هذا الخطاب إلى الأحدب ومن تكلم بالوكالة عنهم أتجه نحو أتباعه وقد