في شدة كخوف الغرق في البحر مثلًا دعوا الله مخلصين له الدين، كما قال فيهم: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) وقال في فرعون: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين) أفيكون أولئك القوم وفرعون أولى بدعاء الله وحده في الشدائد ممن يتبجحون بالإسلام والتوحيد؟ وبدهي من عقيدة المسلمين أن جميع المخلوقات لا يملكون لأنفسهم - ولا لغيرهم بالأولى - في الرخاء ولا في الشدة ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورا) فكيف تتفق هذه العقيدة المستندة إلى النصوص القطعية المجمع عليها مع دعاء غير الله تعالى في الرخاء وفي الشدة أيضًا؟
وإذا أضيف إلى ما سبق دعوى التصرف في الكون التي يدعيها العوام وأشباه العوام لبعض الصالحين، أو تقسيم الدنيا إلى أربع مناطق، وتخصيص كل قسم منها بواحد منهم، ودعوى وجود الله تعالى بذاته - تقدست وعلت - في كل مكان، أو دعوى انه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وما يضاف إليها من سلبه تعالى صفات كماله، ونعوت جلاله؛ فقد وقع الأشكال العظيم في التوحيد بأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. ونعوذ بالله من سوء الفهم والخذلان. الحق يقال: إن هذه العقائد قد عظم ضررها، وقبح أثرها، وكان من نتائجها خروج جماهير المتعلمين على الطريقة الفنية عن دائرة دينهم، وافتتانهم بما عند غيرهم. فما هو العلاج الشافي من هذه الأدواء الفتاكة يا ترى؟ وكيف يعود الناس إلى عقيدة الإيمان بالله - على الوجه الصحيح الذي جاء به الإسلام وجرى عليه أهل الصدر الأول علمًا وعملًا واعتقادًا؟
خاتمة
إني والذي جعل العلماء ورثة الأنبياء - لأعجب كل العجب ممن يقفون على تاريخ الإسلام وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وممن يعلمونها في المدارس، ثم يغفلون عن قضية من أهم قضايا التاريخ وأشدها ارتباطًا بعلم التوحيد وتأثيرًا في تهذيب النشء الإسلامي بل الإنساني الحديث، وإنشائه صحيح العقل، سليم الفطرة، بعيدًا عن كل لوثة وثنية أو جاهلية.
إن كل من أحاط بالسيرة النبوية وسيرة الصدر الأول للإسلام خبرا أنكر أشد الإنكار ما احدث الناس من البدع والجهالات والسخف والخرافات. وإني مورد طرفًا يسيرًا من سيرة