الجهد إذا حاولت أن تظفر بصورة صادقة كاملة في الفلسفة في عصره أو بصورة لفلسفة له متكاملة متساوية
ولست أريد بهذا أن أنكر إن له فلسفة، وفلسفة جبرية خاصة، كلا، إن الرجل كما رأيت كان يدين بالجبرية ويؤمن بها إيمانًا عميقًا قويًا. وكل شيء حوله يدفعه إلى هذا الإيمان العميق القوي. هو بالطبع كان مؤمنًا بالله مسلمًا ولكن إلهه كان مختلفًا عن إله الناس، كان ذلك الاضطرار الميكانيكي الذي يهيمن على الناس والعالم بجبروته المنضبط وحكمته الخفية، فلا سبيل إلى الشك في أن أبا العلاء له في هذه الناحية تفكير، ولن يستطيع أحد أن ينكر عليه ذلك التفكير
وأن جاز لنا بعد كل هذا أن نعد أبا العلاء متكلمًا أو فيلسوفًا بمعنى دقيق فلا أقل من أن نثبت له ما يمكن أن يكون من أدوات الفيلسوف أو المتكلم ونظره، وأن نتبين أثره في الفلسفة حوله ومنزلته بين غيره. لقد كان يعتمد على العقل اعتمادًا أهمل معه المتواتر، وفضله على الشرع، فهو قد خالف بهذا الأصل أهل السنة لأنهم يقدمون الشرع على العقل، وخالف المعتزلة لأنه يحترم العقل اكثر من احترامه الشرع مع اتفاقهما في تقديمه. فهو قرر مع المعتزلة قوة العقل على أدراك الحسن العقلي والقبح كذلك ولكنه قدم العقل على الشرع حين كان المعتزلة يضنون بذلك على العقل.
وأما قوله بأن الأفعال حكم مقدور، فهذا الرأي يوافق الجهمية فهم الذين قالوا بأن الله هو الذي خلق الأفعال وفرضها على المخلوق فرضًا. على حين أن المعتزلة تقول بأن المرء هو خالق أفعاله وأن للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه
وإذا ما نظرنا إلى ما يقول في المنزلة بين المنزلتين لا يبدو لنا أنه تأثر بتلك الحدود التي وضعتها المعتزلة من أن صاحب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن لكنه فاسق يستحق النار بفسقه. فهو كثير الرجاء لغفران الله لكل ذنب، شديد الأمل في رحمته كما رأيت لكل عاص، والشواهد على ذلك كثيرة جدًا في الكتاب. أما لفظة (فاسق) فقد حاولت أن أجد لها عنده هذا المعنى الاصطلاحي فلم أوفق، ولعله كان يقصد بها (المذنب) دون أشراط الفسق الفقهية المعتزلية. أحصيت ورود الكلمة فإذا هو قد ذكرها اسمًا وفعلًا نيفًا وعشر مرات في