ودمشق في القرن التاسع. وإذا نحن وقفنا عند هذه الأحكام والحياة تمشي أصبح بيننا وبين الدين مسافة هائلة لا يمكن قطعها، وأهملنا أكبر مزية لديننا وهو أنه دين البشرية الراقية في كل عصورها، وعطلنا أصلًا مهمًا من أصول ديننا وهو الإجماع، مع أن الوصول إلى الإجماع في هذا الزمان أسهل منه في كل زمان مضى لسهولة المواصلات وسرعتها، فلماذا لا ننظم مسألة الإجماع؟
الإجماع هو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على حكم من الأحكام، فلا يمكن تنظيمه إلا بتعيين المجتهدين، والاتفاق على الشروط التي يجب اجتماعها في العالم حتى يعد مجتهدًا
وأنا أرى أنه لا مانع من الشرع ولا من الطبع يمنع من إحداث تشكيلات للعلماء، ودرجات وسمات لهم معروفة، حتى لا يختلط الأمر، ويستفتي الناس مفتين جهالًا فيضلوا ويضلوا. ولقد خطونا الخطوة الأولى من عهد بعيد حين جعلنا في كل بلد مفتين رسميين لهم مرجع أعلى، هو شيخ الإسلام، ولكن نسينا أن العالم لا يسمى مفتيًا إلا إذا كان مجتهدًا، وليس كل من عرف الدر وحواشيه والفتاوى الهندية يصح أن يتصدر للإفتاء. إذا وسعنا هذه الدائرة، وجعلنا للعلماء درجات متعددة تخلصنا من هذه الفوضى العجيبة التي نراها اليوم حين اصبح كل صاحب عمة قد كورها وجبة قد وسعها من العلماء، وحين رأينا في جمعيات العلماء أناسًا لا يمتازون من العامة إلا بالزي. وليت شعري لماذا يكون لكل فرع من فروع العلم درجات وشهادات، فلا يستطيع أن يدعي الطب أو يمارس المحاماة إلا من حصل شهاداتها ودرس علومها، ويبقى أمر الدين مهملًا يدعيه كل ذي لحية طويلة؟ إن الطبيب إذا أخطأ قتل نفسًا، ولكن العالم الديني إذا أخطأ قتل أمة، وأذهب عليها دينها ودنياها. . .
إذا وضع قانون الدرجات العلمية عرف به العلماء الذي بلغوا درجة الاجتهاد - فدعوا من كافة الأقطار الإسلامية - وعرضت عليهم هذه المشكلات وسئلوا حكم الله فيها، فإن اتفقوا على أمر عد مجمعًا عليه وصار من الأصول الثابتة، وإن اختلفوا استؤنس برأي الأكثر منهم، هذا إذا لم يكن في المسألة دليل شرعي، أما إذا وجد فالحكم حيث يوجد الدليل
وربما أنكر منكر هذا الاقتراح ورآه حدثًا في الدين، وتقليدًا للنصارى في درجات قسوسهم، وأنا أرد سلفًا بأن هذا التنظيم من قبيل جمع القرآن، وتدوين العلوم، لم يرد ما يمنعه،