الكريم في كثير من آياته وسوره بالرد عليهم واقتلاع الشك من قلوبهم. وطريقته في ذلك أن يلفت أنظارهم إلى الأشياء التي يشاهدونها فعلًا أو يؤمنون بها (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب) (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) . (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها. إن ذلك لمحي الموتى) وقد عرضت سورة الزخرف التي وردت فيها هذه الآية إلى هذا المعنى في أولها (والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتًا كذلك تخرجون)
وهذه هي الطريقة المستقيمة المنتجة في الاستدلال المقتلعة للشك، أما أن يلفت أنظارهم إلى أشياء يخبرهم هو بها كنزول عيسى، وهي أيضًا في موضع الشك عندهم، ويطلب منهم أن يقتلعوا بهذه الأشياء ما في قلوبهم من شك فذلك طريق غير مستقيم؛ لأنه استدلال على شئ في موضع الإنكار بشيء هو كذلك في موضع الإنكار!
2 -ومما يؤيد هذا قول الله تعالى تفريعًا على أن عيسى علم للساعة: (فلا تمترن بها) فإنه يدل على أن الكلام مع قوم يشكون في نفس الساعة، والعلامة إنما تكون لمن آمن بها وصدق أنها آتية لا ريب فيها؛ أما الذي ينكر وقوعها أو يشك فيها فهو ليس بحاجة إلى أن يتحدث معه عن علامتها، بل لا يصح أن يتحدث في ذلك معه، وإنما هو بحاجة إلى دليل يحمله على الإيمان بها أولًا ليمكن أن يقال له بعد ذلك: هذا الذي آمنت به علامته كذا
3 -ثم إنه من الأصول المقررة في فهم أساليب اللغة العربية أن الحكم إذا أسند في اللفظ إلى الذات، ولم تصح إرادتها معنى، قدر في الكلام ما كان أقرب إلى الذات وأشد اتصالًا بها. فإذا طبقنا هذه القاعدة على قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة) وعلمنا أن ذات عيسى من حيث هي لا يصح أن تكون مرادة هنا، وإنه لا بد من تقدير في الكلام، ثم وازنا بين النزول، والخلق من غير أب، وإحياء الموتى، فلا شك أننا نجد الخلق من غير أب أقرب هذه الثلاثة إلى الذات، لأنه راجع إلى إنشائه وتكوينه لا إلى شيء عارض له، وحينئذ يتعين الحمل عليه ويكون معنى الآية الكريمة: (لا تشكوا في الساعة، فإن الذي قدر على خلق عيسى من غير أب قادر عليها)
وبهذا يتبين:
أولًا: أن الاختيار بنزول عيسى لا يصلح دليلًا على الساعة يقتلع به ما في نفوس المنكرين