تكون، قبل أن يفرغها الفنان في قالبه الخاص، من الأملاك العامة؛ فإذا عرف كيف يصوغها على الصورة اللازمة الملائمة تصبح ملكًا خاصًا له، تسير في الناس موسومة بوسمه، وتعيش في الحياة مقرونة باسمه. فالأسلوب وحده هو الذي يملكك الأفكار وإن كانت لغيرك. ألا ترى أن أثر الأخلاق في بقاء الأمم وفنائها معنى من المعاني المأثورة المطروقة؛ فلما أجاد شوقي سبك اللفظ عليه في بيته المشهور أصبح بهذه الصيغة من حسناته المعدودة وأبياته المروية؟
على أنك مهما استقربت لا تجد امرأً سليم الملكات ينكر ما لحلاوة الجرْس وطلاوة العبارة من الأثر الفعال في بلاغة الكلام. وعلماء البيان مجمعون على أن (الكلام إذا كان لفظه غثًا، ومعرضه رثًا، كان مردودًا ولو احتوى على أجل معنى وأنبله) . ومنذ تنزلت الشياطين بالسجع والقصيد على كهان الجاهلية الأولى لم يقل أحد غير كتاب آخر الزمان أن البلاغة هي الفكرة وأن البليغ هو المفكر. وفيما سلف من العهود التي صحت فيها القرائح وسلمت الأذواق كان الرجل ينصرف عن الكتابة أو الشعر إذا لم يجد في طبعه براعة الأداء ولا في نفسه ملكة الفن. إنما يحاجُّك في العناية بالأسلوب من اضطر إلى مزاولة الكتابة وهو مدفوع عن البلاغة بوهن سليقته وجفاء طبعه. ولهم في الحِجاج رقاعات سبيلك أن تُسَلم بها لتسلم منها. يقولون مثلًا: إن الناس يتكلمون ليفهم الشاهد، ويكتبون ليفهم الغائب؛ فلماذا لا نكتب مثل ما نتكلم؟ لماذا نؤثر أن يقال: وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا، على أن يقال: كبرت سني وشاب رأسي، والجملتان الأخيرتان أخصر لفظًا وأيسر فهمًا؟
على أن من أعداء العناية بالأسلوب قومًا جادّين ليسوا من أبناء العربية ذات الأناقة الذاتية والتلاؤم المطبوع، ولكن لهم آثارًا تُقرأ وآراء تناقش، أولاهم بالذكر الكاتب الفرنسي إميل زولا. فلقد مكن الله لهذا الكاتب في دولة الكتابة وآتاه أسباب النبوغ، ولكنه ابتلاه بشيء من خشونة الطبع وفجاجة الذوق فلم يستطع مجازاة البلغاء من أنداده ومعاصريه في رونق البيان وروعة الأسلوب، فأخذ يهوّن من شأن الصور الفنية في العبارة بمثل قوله: (ليس من مطلق الحق - وإن عارض بوفون وبوالو وشاتوبريان وفلوبير - أن الكاتب يكفيه أن يعنى كل العناية بأسلوبه ليشق له في الأدب طريقًا يبقى على الأبد. إن الشكل عرضة للتغيير