الرقباء، ولا هَمْس القُبَل المذعورة في أول لقاء، ولا رعشة الشفاه الظامئة وهي تعترف، ولا المعاني الراقصة وهي تغازل خيال الشاعر، ولا مس فم الأم وهي تسجل أسرار قلبها فوق جبين الطفل، ولا قطرات الندى وهي تُفتح أكمام الورد، ولا آراد الشمس وهي توشي أذيال السحاب عند ما يتنفس الصبح، ولا حفيف الريشة في يد المصور وهي تجمش اللوحة، ولا صلاة الناسك وقد فني في الله في سكون الخَلْوة، ولا تبرج الموج وهو يعانق حِسان الصيف قريبًا من الشاطئ، ولا براءة الطفلة وهي تضم القُطَيطَة إلى صدرها النابض، ولا غناء القلوب الملتاعة حين تلتقي، فتتماس، وتخفق ثم تهدأ. . .
ليس هذا كله إلا موسيقى الوجود المتحد، فغن مع القافلة يا قلبي!. . .
اتحد بالأغنية الكبرى التي تصغي إلى موسيقاها العذبة الحنون ترددها قرائح الشعراء، وتصدح بها أسراب الطير، وتنفخ في نايها أنفاس الريح، وتستروح إليها قلوب المدنفين، ويستجيب لها بيان الأديب الذي يغدو لها مزمارًا، ويقدم من روحه لجرسها قيثارًا، فيجعلها دموعًا في أعين المحبين، أو رحمة في جوانح الحزانى، أو حمرة في شفة كل عذراء، أو سحرًا في أهداب كل حورية، أو نفحة في فؤاد كل مبتئس. . . أو ما شاء له فنه الذي جعله الله مرآة هذه الحياة الدائبة، ولسان هذا العالم الشادي
لله ما في حناياك من حناياي يا وتر!
تعال أسمعك أناتي التي هاجت حَرّها أناتك. . . أنت أيها المعجب المطرب، إن عندي ما يشجي وما يبكي!. . . إن هذا النغم الحلو النحيل الذي يمس المشاعر المترنحة كما يمس الفراش أفواف الزهر. . . إن هذا النغم الذي يشبه الأهداب الطويلة الناعسة، هو نغم ضحوك طروب ثمل، يصدر عنك ولا يرتد إليك. إنه يمس القلوب مسًا خفيفًا ثم يمضي كما تمضي الذكريات السعيدة، ويتبدد كما تبدد الأحلام الفضية، وقلما يبقى منه شيء في السويداء تستعين به على تخفيف آلامها وتلطيف مآسيها. . . وإن بقي منه شيء فإنما يكون أطيافًا. أطيافًا من آهات ولوعات ولهفات، تزيد الشجا في صدر الشجي، وتؤجج اللظى في قلب المشتاق. إنها تزيد المواجع ولا تشفيها، وتثبتها ولا تنفيها، إنها تفجر دموع الضعفاء الذين يعتزلون الدنيا من أجل غادة، ويلبسون المسوح من أجل حب خائب، وغرام تعس
أما موسيقاي يا وتر! فمن لي بكلمات أعصرها من قلبي دمًا، إذا جعلته سطورًا على أديم