تبتكر الوسائل الممكنة للحصول على المال الذي هو عصب كل مشروع يرجى نجاحه، فلما آنست من الناس هذا الإقبال على شهود دراماتها، لم تر ضيرًا في أن تنتهز تلك الفرصة لتعرض مشروع (المزاد التمثيلي!) وكان ذلك في سنة 1417 فالحي الذي يعطي مزادًا أضخم من الحي الآخر هو الذي يفوز بتمثيل الروايات فيه، والمنزل الذي يهب النقابة مبلغًا أكبر هو الذي يسعد بوقوف المسرح المتنقل قريبًا منه ليسهل على أهله التفرج والاستمتاع في هدوء وراحة وإدلال على الناس
وقد وفقت النقابات إلى تنظيم العمل فيما بينها، وتقسيمه تقسيما لا يضر بكيانها، ذلك الأضرار الذي يسببه التنافس أحيانًا مهما يكن تنافسًا شريفًا مشروعًا. وكان يراعى في ذلك التقسيم أن تتناسب الدرامات ونوع المهنة التي تمثلها النقابة، ففي عيد الفصح تمثل نقابة الدباغين درامة (سقوط الشيطان) وتمثل نقابة تجار الأقمشة درامة (الخلق والسقوط) & في حين تمثل نقابة السقائين أو نقابة صيادي السمك درامة (طوفان نوح) . وكانت بعض هذه الدرامات تنال من استحسان الجمهور ما يقتضي استمرار عرضها وتمثيلها مرات متتالية أيامًا متوالية، فقد حدث أن استمر عرض رواية (أمور من قصة خلق العالم) ثمانية أيام متتالية، وذلك في عهد الملك هنري الرابع سنة 1409 في حي إسلنجتن بلندن. ولم تكن هناك أية عناية أو احتفال بالمناظر المسرحية المعروفة اليوم، في حين كانت العناية الفائقة قاصرة على الملابس، والأدوات التي لم يكن بد من استعمالها أثناء الأداء، فهنا كانت النقابات تنفق عن سعة، ففي رواية (يوم العدالة) مثلًا، وهي من أكثر الروايات في الممثلين عددًا، كان الممثلون الذين يؤدون دور (العاصين من أهل جهنم) يرتدون ملابس من الكتان صبغت بالأصفر والأسود والأحمر إشارة إلى الألوان السائدة في الجحيم. أما الممثلون الذين يؤدون دور (الأرواح السعيدة الناجية) فكانوا يرتدون ملابس بيضًا من الجلد الرقيق المدبوغ؛ وإذا تصورنا عدد أولئك الممثلين في مثل هذه الرواية، أدركنا المبلغ الضخم الذي كانت تصل إليه أثمان ملابسهم المصنوعة من تلك الجلود الغالية، وذلك بالإضافة إلى أجور الممثلين التي
كانت تتراوح بين أربعة عشر بنسا وأربعة شلنات، وهي تسوي عشرة أضعافها بعملتنا الحاضرة. . .