كله شيء يجعل فهمه ميسورًا لأول وهلة
فقد عاش أبدًا، بوهيميًا، صريحًا، بواحًا بسره، ينكره الاستقرار وتجافيه العاطفة الراسخة رسوخ الرواسي - فركب الهوى وأعجب بمئات الحسان مثل هذا الإعجاب العارض. ولكنه لم يصادف أبدًا هذا اللون العنيف من الحب الذي يقتصر فيه صاحبه على واحدة يكاد حبها يورده موارد البوار والتلف. فكان أبدًا كالنحلة عسلها في كل زهرة، يرى هذه، فيعلق بها فؤاده يومًا أو يومين، يحلم خلالها أحلامًا هنية، ويرى تلك فينسى الأولى، وهو بين هذه وتلك في دولة الخيال في شاغل عن الصلة البدنية بالصلة الروحية، سعيد بصور الحسان تتوارد جملة على مخيلته. فكأن السعادة بذلك همه، وخلو البال من الأزمات المقضة للمضاجع شاغله، وكأنه من ذلك في عالمه الخاص يعد لرسالته الأدبية المتنوعة شحنة من الفكر المنطلق الحر في نأي عن حب فرد ملح يحصر مناطق الفؤاد الذكي ويحدها.
لافونتين في البحث عن لافونتين
وامرؤ لا يعرف قلبه وخياله الحد ليس من ريب في أن عقله كذلك لا يعرف الحد. فآفاق العاطفة المترامية تفسح للعقل في مدى واسع يحار فيه. لذلك جهد لافونتين في تعرف هويته العقلية. ولم يكتب لهذا السبب عن نفسه إلا متأخرًا في الثامنة والثلاثين من عمره. فهو إذن قد صرف حقبة طويلة من عمره في درك الأشياء وتفهمها والإلمام بحقائق الحياة عمليًا. فمال مع كل ريح، بين جد ولهو، يعني بالجد، فيكيد ويحصل ويقرأ ويدرس منقبًا باحثًا، ويعني باللهو فيحياه ويفهمه ويستمرئه. والتشوف بين هذا وذاك رائده، وحب الاستطلاع يعقد رويدًا رويدًا الصلة بينهما ويحكمها
فلم يستمر تردد عقله بين أن يعيش للهو حريفا - وهذا شيء تدعو إليه طبيعة الحالة - فيغنم الحياة من لذتها المادية، وبين أن يعيش للعمل والجد فيغنمها من لذتهما المعنوية. وأستقر أخيرًا - ولا متأخرًا - على أن يمزج اللهو بالعمل وأن يجعل من شواغله مسرات ومن جهده يسرا
ولم يكن بد من مراحل يجوزها حتى يصل إلى هذه الغاية من ترك طبيعته على سجيتها وأخذها بالملاطفة واللين حتى أنتجت فيما يشبه اللعب مالا طاقة لكثير غيره على إخراج مثله للناس، وهم ألصق بالجد خالصًا، وألزم للتثقيل بمضايقة على النفس. فكانت أولى