وإذا بطلت نسبتها إليه بطلانًا جازمًا - وهي لم تبطل قط - فالحقيقة المعهودة المعقولة باقية كما كانت قبل نسبتها إليه، وهي أنه كان ينظر في خلق الله وينزع في تأمله نزعة المتصوفين
أما حديث سوءة عمرو، فقد رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار وابن عبد ربه في العقد الفريد، ورواه الذين ذكرهم الأستاذ الفاضل بصيغة التمريض
فإبطال هذه الروايات إنما يقوم على تنافر بين العمل وبين طبيعة عمرو بن العاص أو طبيعة علي بن أبي طالب
ولا تنافر بين العمل وبين طبيعة الرجلين
فعمرو بن العاص في عنفوان شبابه سمع رجلًا يطلب قبلة من امرأته فحقد عليه وأضمر الكيد له، ولكنه لم يمنعها أن تقبله بل أمرها بذلك قائلًا: (قبلي ابن عمك) ثم انتقم منه بعد أن خرج من المأزق الذي كان فيه
فليس بمستغرب من معهوده ومعقوله أن يخرج من مأزق الموت في وقعت صفين بمثل تلك الحيلة، وقد بلغ الشيخوخة التي تهدأ فيها عرامة النفوس
وليس بمستغرب كذلك من الإمام أن يعرض عنه، لأنه كان لا يتبع موليًا ولا ينظر إلى عورة، وكان ينهى جنده أن يتبعوا المولين ويهتكوا العورات
وليس بناقض لهذه الروايات أن الطبري لم يحفل بها ولم يثبتها، لأن الطبري في تاريخ عمرو بن العاص خاصة مخل أيما إخلال. وقد نبه إلى هذه الحقيقة كتاب بطلر الذي طبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر فقال بحق: (. . . ولكن من أكبر ما يدعو للأسف أن كتابه ناقص نقصًا عظيمًا في أخبار فتح مصر، فإن روايته في ذلك قليلة قلة شديدة، وزيادة على قلتها قد دخلها خلط كبير في كل ما يتعلق بوصف البلدان وتواريخ الحوادث وذلك يدعو إلى كثير من التضليل)
فليس الطبري بالمرجع الوافي المقنع في تاريخ عمرو وما ينسب إليه، لأنه قليل الاحتفال بمعظم تفصيلات هذا التاريخ
ونعود إلى قاعدتنا في القياس الترجيح فنسأل: ترى لو لم يثبت حديث الرواة في هذه المسألة فماذا يبطل من صفاتنا للإمام؟