قدومه.
أتاه المارد من خلفه وأمسك به برفق ثم وضعه فوق الشجرة فاستحالت إلى أزاهير جميلة، وتهافتت العصافير لتغرد عليها، فتح الطفل ذراعيه من شدة الفرح وطوق بهما عنق المارد ثم قبّله، فلما رأى الأطفال الآخرون ان المارد فقد فظاظته عادوا إلي الحديقة سراعًا وعاد معهم الربيع، فهش المارد إليهم، وخاطبهم بقوله: (هذه جنتكم أيها الأطفال الصغار) ثم أخذ بمعوله الكبير يقوض الجدار.
ظل الأطفال يلعبون مع المارد في حديقته البديعة حتى المساء فأتوا يودعونه (ولكن أين رفيقكم الصغير الذي وضعته فوق الشجرة؟) . فأجابه الأطفال: (لا نعرف. لقد ذهب) (احرصوا على مجيئه غدًا) . فأخبروه بأنهم لا يعرفون مسكنه وانهم لم يروه قبل ذلك اليوم، فحزن المارد حزنًا شديدًا لأنه أحب ذلك الطفل الذي قبّله حبًا جمًا.
صار الأطفال يأتون كل يوم بعد الظهر ويلعبون مع المارد، لكن الطفل المحبوب لم يُرَ ثانية، كان المارد لطيفًا معهم جميعًا ولكنه ما زال يحن الى صديقه الطفل الصغير، وكثيرًا ما كان يذكره قائلًا: (ما أشد شوقي لرؤيته!)
تعاقبت السنون وشاخ المارد وضعف، فلم يقو على اللعب، ولذا كان يجلس في كرسيه يرقب الأطفال وهم يلعبون معجبًا بهم وبجنينته:
(لدى زهور جميلة، ولكن لا ريب في أن هؤلاء الأطفال أجمل أنواع الزهور) أطل صباح يوم ماطر من نافذته وهو يرتدي ثيابه، فأخذ يمرس عينيه وينظر فيطيل النظر كأنما وقعت عيناه على شيء عجيب، ولقد كان عجيبًا حقًا. رأى من طرف من أطراف الحديقة النائية شجرة مكتظة بالزهور، يتدلى من أغصانها الذهبية ثمرها الفضي، ورأى تحتها الطفل الذي أحبه.
هرول إلى الجنينة مسرعًا، فلما دنا من الطفل صعد الدم إلى وجهه، واحمرت عيناه غضبًا، إذ رأى راحة الطفل دامية (من نجاسر أن يجرحك؟ اخبرني لكي أذبحه بسيفي الكبير.)
فأجابه الطفل (لا. هذه جراح الحب!) فاستولى على المارد خوف غريب، ثم جثا أمام الطفل قائلًا: (من أنت؟) فأجابه الطفل مبتسمًا:
(سمحت لي أن ألعب مرة في جنينتك، والآن ستذهب معي الى جنينتي التي هي الفردوس)