وينسى أنه واحد من هذه الأمة لا يستطيع أن يهرب من عاداتها ولا أن يتفلت من خصالها.
ولشد ما يحلو لصاحب القبعة أن يتمادى في الغي وأن يسترسل في المكابرة، فيتصنع احتقار المصري ويحاول جهده أن يحط من قدره، وأن ينال من كرامته، فهو لا يؤمن به عالمًا ولا أديبًا ولا صانعًا ولا. . . ثم يتبجح فيجهر برأيه السقيم في غير تحرج ولا حياء.
وأنا أعرف رجلًا من ذوي القبعات رأى أثرًا من آثار الصناعة، ظنه مصريًا - وفي رأيه أن الصانع المصري رجل متواكل واهي العزيمة مغلق الحس - فهاله ما في هذا الأثر من ضعف وتداع، فراح ينحط على الصنعة والصانع يثلبهما بأقذع الكلم ويسلقهما بألفاظ غلاظ. فلما تبين له أن الصانع إفرنجيًا تراجع في ندم وتخاذل في ضعف كأنما عزَّ عليه أن ينال من الإفرنجي وهو سيده ومثله الأعلى.
وأعرف رجلا آخر من هذه الفئة ترامى إليه أن أجنبيًا ذا مكانة أدبية يوشك أن يزور مصر، فأخذ يترقب مقدمه في شغف، ثم اندفع يستقبله في حفاوة وأفسح له من قلبه ومن قلمه في وقت معًا، وملأ صَّفحات الصحف بما أضفى عليه من إطراء ومدح. ثم حاول أن يمن عليه الأجنبي فيزوره في داره لتسعد الدار بزورة السيد الأجنبي، ولتظفر المائدة بفضل الأديب الغربي، فتشاغل هذا عنه وتعلل بالتعلات، ثم ضاق بإلحاحه فردَّه - بادئ ذي بدئ - في هوادة، ثم ضاق به مرة أخرى فردَّه في عنف. وحزَّ في نفس صاحبنا أن يندفع إلى الرجل في غير صبر، وأن يتشبث في غير أناة، ثم لا يلقي - بعد هذا كله - إلا الاحتقار والمهانة، فأطلق فيه لسانه وقلمه يثلب علمه وأدبه وأخلاقه، ويزدري رجولته وإنسانيته وفنه. . .
هذه هي أخلاق القبعة، وهذه هي عقيدتها، وهذا هو إيمانها، فمتى. . . متى نتحلل من قيودها؟ إن القبعة - ولا ريب - هي بقايا عهد زال منذ زمان، عهد السيطرة الأجنبية البغيضة، عهد الاستخذاء والضعف. . . فمتى. . . متى نتحلل من قيودها لنمسح عنا عار التعبد والخضوع؟
وجاءني صديق من ذوي القبعات هائجًا يهدر وهو يتلظى غيظًا وغضبًا، وفي يده مجلة أسبوعية وصحيفة يومية، ثم قذف بهما أمامي وهو يرغي ويزبد، ثم قال: (أرأيت، أرأيت الصحافة في بلادنا وهي تشوه الحقائق؟) قلت: (ماذا؟ ماذا أصابك؟) قال: (هذه الصحيفة