ولقد كان موظفًا في الحكومة أحيل على المعاش لبلوغه سن التقاعد، سن الستين. والحكومة تلفظ الموظف حين يصيبه الكلال من أثر الكبر والشيخوخة، ولا تطرده إن انحلت أخلاقه واتضعت كرامته وتمزقت إنسانيته. وهي تطلب من ذي العمل الشريف أن يحصل على رخصة، فترهقه في الطلب وتسد عليه المسالك وتضيق الخناق، ثم تذر صاحب المهنة الوضيعة يتقلب في الشوارع كيف يشاء. وهي - دائمًا - تزعج التاجر في متجره أو الصانع في مصنعه، تكلفه الشطط وتحمله الرهق، على حين تطلق العنان للشحاذ يستلب الناس من أموالهم في غير رقبة ولا حذر. إن أخي - يا سيدي - خياط، دفعه الأمل إلى أن يفتح دكانًا عسى أن يصيب منه قوت عياله، وطمع أن يدر عليه إخلاف الرزق بعد عسرة، فانحطت عليه وزارة الصحة ومصلحة العمل في وقت معًا، حتى أرغمته أن يغلق الدكان بعد أن سار شوطًا فيه التوفيق والنجاح. فماذا ترى؟ لعل الحكومة تريد أن تقول للعامل الشريف: كن عاطلًا. وتقول للشحاذ: تمتع كيف تشاء! هذا الرجل أحيل على المعاش، وإن دخله ليربو على خمسة عشر جنيهًا، وله زوجة وأولاد. فلما أحيل على المعاش سول له خرف الشيخوخة أن يطرد زوجه وأولاده ثم ينطلق هو في نواحي القاهرة يتكفف الناس، فطرد أولاده جميعًا وإن فيها الصبي واليافع، ألقي بهم إلى الشارع ليذوقوا مرارة الحرمان وحرقة الفاقة ولذع الضياع، ولفظتهم المدرسة حين لم يجدوا ثمن العلم، وفيهم الذكي المجتهد والسابق المتفوق، ورآهم هو على حالهم هذه فلم ينبض قلبه برحمة ولا خفقت نفسه بشفقة. ثم غوى مرة أخرى فطرد زوجه وهي عجوز انهد كيانها وذوى عودها، وهي فقيرة لا تجد ما تتبلغ به إلا دريهمات يغلها وقف. والوقف ملك ضائع وقع بين فكين شديدين: ناظر الوقف وهو رجل لا يرتدع من دين ولا يرعوى من ذمة، يثقل الوقف بما لا يطيق، ثم يزعم بأن الأرض لا تغل شيئًا. ووزارة الأوقاف وهي ترقب في غير رعاية وتحاسب في غيردقة، والمستحق يقف ببابها مثلما يقف الشحاذ فيه الحياء بباب كز شحيح فلا يظفر إلا بالشتيمة والطرد. . . يقف دهرًا لينال فضلة من مال لا تسمن من جوع ولا تغني من عرى. . . أما هو فهو كما ترى. . . . وتركني النادل وأن الأفكار لتصطرع في خاطري من أثرحديثه، وأصابني الجزع أن تثور حماقة صعلوك عجوز فتلقى بصبية صغار إلى عرض الشارع، تضربهم الفاقة وتصفعهم الحاجة وقد فقدوا - على حين فجأة -