فقوموا بنا إليها. فقاموا بأجمعهم فدخلوا إليها، وقص أبو دلامة القصة عليها وقال لها: حكمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: إن ابني - أصلحه الله - قد نصح أباه وبره ولم يأل جهدًا، وما أنا إلى بقاء أبيه يأحوج مني إلى بقائه، وهذا أمر لم تقع به تجربة منا، ولا جرت به عادة لنا، وما أشك في معرفته بذلك، فليبدأ بنفسه فليخصها، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثرًا محمودًا استعمله أبوه. فنعر أبوه وجعل يضحك به، وخجل ابنه وانصرف القوم يضحكون ويعجبون من خبثهم جميعًا واتفاقهم في المذهب. وللقوم الذين شهدوا هذه المحاورة التي تضحك الثكلى أن يعجبوا ما شاءوا، ولهم أن يروا فيها دليلًا على خبث الثلاثة واتفاقهم في مذهب العبث والمجون، فقد رأينا فيها ولدا يخجل أباه، وأمًا تخجل ابنها، وأبًا يوزع خبثه على الاثنين، فيسمع كلام ابنه غير غبي ولا متغاب، ثم يحتكم إلى زوجته احتكام العالم بما ستقوله، لأن عبث ابنه ينالها. ومن هنا نرى أن أم دلامة - وإن كانت تحب أن تخجل زوجها في بعض الفرص - لم تكن لتخذله دائمًا، فهي تحبه على ما فيه من عبث ومنقصة، وهو يثق بها في تمام ما يعجز عن إتمامه بنفسه، لأنه عرفها وعرفته، واستطاع كل منهما أن يستكمل بالآخر مواضع نقصه، ونقط الضعف فيه!.
صبحي إبراهيم الصالح