قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حروف الجر] .
قوله: (حروف الجر) .
من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأنها حروف تجر، كما أن هناك حروفًا ترفع وحروفًا تنصب وحروفًا تجزم.
فمثلًا: إن وأخواتها حروف ترفع الخبر وتنصب المبتدأ.
وحروف الجر جميعها تشترك في العمل، بمعنى: أنها كلها تجر، وليس فيها حرف لا يجر، لكنها تختلف في مدخولها وفي معناها، كما سيتبين إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله: [هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على] .
قال المؤلف: (هاك حروف الجر) ، هاك: اسم فعل بمعنى: خذ، وهل اسم الفعل هو (ها) والكاف حرف خطاب أو هو الجميع؟ فيه خلاف.
حروف الجر: حروف: مفعول به بهاك؛ لأن هاك اسم فعل يعمل عمل الفعل.
هاك حروف الجر، يعني: خذ الحروف التي تجر.
واستفدنا من قوله: (حروف) أنها ليست أسماء ولا أفعالًا، لكن بعضها قد يكون أسماء وقد يكون أفعالًا، وفي هذه الحال يخرج عن حروف الجر، فإن (على) تستعمل اسمًا والكاف تستعمل اسمًا، ومذ ومنذ يستعملان اسمين، وخلا وحاشا وعدا تستعمل أفعالًا، فهي في خروجها إلى ذلك لا تعتبر من حروف الجر.
وقوله: (وهي من إلى) : أي: من وإلى، لكنه أسقط حرف العطف لضرورة الوزن واختصارًا.
قوله: (حتى) : أي: وحتى، وخلا، وحاشا وعدا وفي وعن وعلى، فذكر في بيت واحد تسعة حروف.
وفي هذا البيت هبة وحكم وأدوات، وهذا يدلك على أن هذه الألفية جامعة، وهي من أجمع كتب النحو.
يقول: [مذ منذ ورُبّ اللام كي واو وتا والكاف والبا ولعل ومتى] .
وبهذا تكون عشرين حرفا.
وقد ذكرنا أنها كلها تجر، وأنها تختلف في المعنى، وتختلف في الاختصاص، أي ما يختص به واحد دون الآخر.
وقد بدأ المؤلف رحمه الله بذكر ما يختص به كل حرف، فقال: [بالظاهر اخصص منذ مذ وحتى والكاف والواو ورب والتا] بالظاهر: جار ومجرور متعلق باخصص.
اخصص: فعل أمر؛ يقال: اخصص بفك الإدغام، ويقال: خُصَّ بالإدغام.
قال: (بالظاهر اخصص منذ، مذ، وحتى، والكاف، والواو، ورُبَّ، والتاء) فهذه سبع أدوات من العشرين تختص بالظاهر، أي فلا تجر الضمائر، وإنما تجر الأسماء الظاهرة فقط.
فمثلًا تقول: حضرت مذ يومين، ولا يجوز أن تقول: حضرت مذهما، وتقول: منذ يومين، ولا تقول: منذهما.
وتقول: سأنتظر حتى مجيء زيد، وقال الله تعالى: {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5] .
ولا يجوز: سرت حتاك! لكن يجوز: سرت إليك؛ لأن (إلى) غير مختصة بالظاهر، مع أن (حتى وإلى) كليهما للغاية.
أيضًا: الكاف مختصة بالظاهر، تقول مثلًا: فلان كالأسد.
ويجوز أن يقول: فلان كزيد، وهو يخاطب زيدًا، ولا يجوز أن يضع بدل زيد المخاطب ضمير الخطاب فيقول: فلان كك! لأن الكاف لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، وسيأتي في كلام المؤلف أنها قد تدخل على الاسم المضمر لكن نادرًا، مثل: كها! كذلك الواو مختصة بالظاهر، وهي كما علمنا فيما سبق من حروف القسم، تقول: واللهِ، وربِّ العالمين، وخالقِ الأرض والسماء وما أشبه ذلك، ولا تقول: وك يا ربِ! فلا يجوز دخولها على الضمير حتى ضمير الغيبة، فلو قلت مثلًا: وهو! تحلف وتريد بالضمير الله لم يجز.
لكن الباء تجوز: وبه أحلف.
كذلك أيضًا: رُبَّ، لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، وأضيق من هذا أيضًا أنها لا تدخل إلا على النكرة، تقول مثلًا: رُبَّ رجل لقيته، لكن لا يمكن أن تقول: رُبَّ الرجل لقيته، ولا تقول: رُبَّ زيدٍ لقيته، تريد زيدًا معينًا، أما: رُبَّ زيدٍ لقيته، تريد: رُبَّ مسمى بهذا الاسم، فهذا جائز؛ لأنه ليس علمًا.
ويجوز بقلة: ربه رجل قائم، كما قال: [وما رووا من نحو ربه فتى نزر] كما سيأتي.
قوله: (والتا) التاء أيضًا مما يختص بالظاهر، وهي من حروف القسم.
فعندنا الآن من حروف القسم اثنان هما: الواو والتاء؛ لكن التاء كما لا تجر إلا المقسم به، لا تكون إلا متصلة بالله أو برب، كما قال المؤلف: (والتاء لله ورَبْ) ، إذا قلت: تالرحمن، فلا يجوز، ولا: تالعزيز، ولا: تالسلام.
إذًا التاء خصصت بعدة تخصيصات: الاسم الظاهر، القسم، الله ورب، تقول: تالله لأفعلن، وتقول: ترب الكعبة لأفعلن كذا.
ولو قلت مثلًا: ربي الله، ته أحلف، مثل: به أحلف، فلا يجوز.
قوله: [واخصص بمذ ومنذ وقتًا] : أي: مذ ومنذ إذا كانا حرفي جر فاخصص بهما الوقت، تقول مثلًا: ما رأيته مذ يومين، ما رأيته منذ يومين، واليوم وقت.
ولا تقول: ما سرت مذ المسجد ولا منذ المسجد، لأن المسجد مكان وليس وقتًا.
وتصلح (منذ ومذ) للمعرفة والنكرة، فتقول: ما رأيته منذ اليوم، وما رأيته منذ يومين، وما رأيته منذ سنة، وما رأيته منذ شهر، وما رأيته منذ أسبوع.
قوله: [وبرب منكرًا] .
يعني: واخصص برب منكرًا، فهي لا تدخل على المعارف، فلا تقول: رب الرجل لقيته، ولا رب زيد لقيته؛ إلا على تقدير: رب مسمى بهذا الاسم، كما تقدم، أما زيد الذي هو زيد بن فلان فلا.
قال المؤلف: [وما رووا من نحو ربه فتى نزر كذا كها ونحوه أتى] الذين رووا هم النحاة، والعرب مروي عنهم.
نزر: خبر ما؛ لأن (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع متبدأ.
و (رووا) صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما رووه، أي: من نحو ربه فتى نزر قليل.
والذي خرج عن القاعدة في هذا المثال أن (رُبَّ) دخلت على الضمير، وهي لا تدخل إلا على ظاهر.
وأيضًا: الضمير معرفة وهي مختصة بالنكرة، أي أنها خالفت القياس من وجهين.
قوله: (كذا كها) أي أن (كها) أيضًا نزر قليل في كلام العرب.
كها: الكاف حرف جر، وها: ضمير مبني على السكون في محل جر، فهنا دخلت الكاف على ضمير، وقد سبق أن الكاف لا تدخل إلا على الاسم الظاهر؛ ولكنه كما قال ابن مالك: نزر.
قوله: (ونحوه) أي: مثله، أي: نحو كها، وذلك مثل: (كهو) يعني: ضمير الغائب، وأما ضمير المخاطب (كك) فلا أظنه يروى، ولهذا قال: (ونحوه) أي من ضمائر الغيب كهن.
الآن نذكر القواعد: أولًا: حروف الجر هي الأدوات التي تعمل الجر، وهي عشرون أداة، تشترك جميعًا في عمل الجر، وتختلف في الاختصاص والمعاني.
البيتان الأولان عدد فيهما هذه الأدوات.
البيت الثالث: القاعدة فيه: يختص بالأسماء الظاهرة هذه الأدوات، وهي: مذ ومنذ وحتى والكاف والواو ورب والتاء.
وهي سبع.
والبيت الرابع القاعدة فيه: تختص مذ ومنذ بالوقت، فلا تجر إلا ما دل على زمن، وتختص رب بالنكرات فلا تجر الضمائر ولا المعارف، وتختص التاء باسمين فقط وهما: الله ورَبّ.
البيت الخامس: ما روي عن العرب من دخول رُبَّ على الضمير والكاف على الضمير فهو نزر قليل وخارج عن القياس.
والله أعلم.