قال ابن مالك: [وإن تكن بتلو من مستفهما فلهما كن أبدا مقدما كمثل ممن أنت خير ولدى إخبار التقديم نزرا وردا] (وإن تكن بتلو من مستفهما) ، (إن) شرطية، واسم تكن ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، وخبرها قوله: (مستفهمًا) ، يعني: وإن تكن مستفهمًا بتلو (من) ، أي: بحيث يكون الذي بعد (من) اسم استفهام فإنها تقدم عليه مع مجرورها، فالذي بعد (من) يأتي في آخر الجملة، كما تقول: الرجل خير من المرأة، فـ (من المرأة) أتت بآخر الجملة؛ لأنها تأتي بعد ذكر المفضل، وتقول: الشتاء أبرد من الصيف.
فإذا كان ما بعد (من) اسم استفهام فماذا نصنع؛ لأنه إن بقي في مكانه تركنا القاعدة، وهي: أن الاستفهام له الصدارة؟ يقول المؤلف: (فلهما كن أبدًا مقدمًا) .
الضمير (هما) يعود على مِنْ والاستفهام؛ وجملة (فلهما كن أبدًا مقدمًا) جواب الشرط وهو قوله: (إن تكن) .
وهذا البيت يذكر فيه المؤلف رحمه الله قاعدة وهي: إذا كان المفضل عليه اسم استفهام فإنه يجب أن يتقدم ويكون في صدر الجملة، والعلة في ذلك أن الاستفهام له الصدارة، مثاله: (ممن أنت خير؟) فهذا استفهام.
والجواب مثلًا: أنا خير من فلان.
فلما كان المفضل عليه اسم استفهام وجب أن يقدم على أفعل التفضل مع من، فتقول: ممن أنت خير؟ وكذلك تقول: ممن أنت أطول؟ وممن أنت أغنى؟ وممن أنت أعلم؟ وما أشبه ذلك، وسيكون جواب المسئول: من فلان مثلًا، يعني: أنا خير، أو أطول، أو أعلم، أو أغنى من فلان.
قال ابن مالك: [ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا] .
يعني: إن جاء في جملة خبرية فإن التقديم نزر، أي: قليل، فتقول مثلًا: عمرو من زيد خير، والمعنى: عمرو خير من زيد، لكنها جاءت مقدمة، وهذا يكون نزرًا قليلًا في اللغة العربية، وهل ينقاس؟ الظاهر أنه لا ينقاس، وأنه إن وجد عن العرب فهو مقصور على السماع.
وإعراب (نزرًا) حال من فاعل (ورد) مؤول.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: [وإن تكن بتلو من مستفهما فلهما كن أبدا مقدما كمثل ممن أنت خير ولدى إخبار التقديم نزرا ورد تقدم أن أفعل التفضيل إذا كان مجردا جيء بعده بمن جارة للمفضل عليه نحو: زيد أفضل من عمر ومن ومجرورها معه بمنزلة المضاف إليه من المضاف، فلا يجوز تقديمهما عليه كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، إلا إذا كان المجرور بها اسم استفهام، أو مضافًا إلى اسم استفهام؛ فإنه يجب حينئذ تقديم من ومجرورها، نحو: ممن أنت خير؟ ومن أيهم أنت أفضل؟ ومن غلام أيهم أنت أفضل؟ وقد ورد التقديم شذوذًا في غير الاستفهام، وإليه أشار بقوله: (ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا) ، ومن ذلك قوله: فقالت لنا أهلًا وسهلًا وزودت جنى النحل بل ما زودت منه أطيب والتقدير: بل ما زودت أطيب منه] .
جنى النحل هو العسل.
وهذا اسم طيب شيق، لكن لو أقول: إنه قيء الزنابير، يصبح غير محبوب.
قال ابن عقيل: [وقول ذي الرمة يصف نسوة بالسمن والكسل: ولا عيب فيها غير أن سريعها قطوف وأن لا شيء منهن أكسل والتقدير: وأن لا شيء أكسل منهن، وقوله: إذا سايرت أسماء يومًا ظعينة فأسماء من تلك الظعينة أملح التقدير: فأسماء أملح من تلك الظعينة] .