قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيها مصحوب أل بعد صفه يلزم بالرفع لدى ذي المعرفه] قوله: (مصحوب) فيها وجهان: النصب والرفع، فعلى الرفع، نقول: أيها: مبتدأ كلها؛ لأن المراد لفظه.
مصحوب: مبتدأ ثان، و (يلزم) خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، فالخبر هنا جملة، ومعلوم أنه إذا كان خبر المبتدأ جملة فلا بد لها من رابط يربطها بالمبتدأ، والرابط هنا محذوف، تقديره: يلزمها.
فمعنى البيت إذًا: أن مصحوب أل يلزم (أيها) حال كونه صفة مرفوعًا بعدها، فالمؤلف أفادنا ثلاث فوائد: أولًا: أن الذي يلي (أيها) لا بد أن يكون مصحوبًا بأل.
وثانيًا: لا بد أن يقع بعدها، لقوله: (بعد) .
ثالثًا: أن محله من الإعراب صفة لأي؛ لقوله: (صفة) .
إذًا: (أي) يؤتى بها صلة لنداء ما فيه أل، والذي يأتي بعدها وفيه أل حكمه أنه صفة لها، لقوله: (مصحوب أل بعد صفة يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة) ، وقد سبق لنا أنه لا يجوز أن ينادى ما فيه أل -وهي مباشرة له- إلا في موضعين؛ مع الله، ومحكي الجمل، فلا يجوز أن تقول: يا الإنسان، إذًا فماذا تصنع إن كنت تريد أن تنادي الإنسان؟ تقول: يا أيها الإنسان، فتأتي بأي، ويكون مصحوب أل بعدها صفة لها، وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال:64] ، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة:41] ، {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ} [الانفطار:6] ، وما أشبهها.
الوجه الثاني في إعراب (مصحوب) هو النصب.
والمعنى: أن (أيها) يلزم مصحوب أل، بخلاف التقدير الأول: فإن اللازم هو المصحوب، وعلى هذا التقدير الثاني فإن (مصحوبَ أل) يلزم (أيها) ، والمعنى لا يتغير؛ لأنه إذا لزم مصحوب أل (أيها) لزم أن تكون (أيها) أيضًا لازمة له، ففي الحقيقة لا يختلف المعنى وإنما يختلف الإعراب.
وخلاصة القول: أنه لما تقرر أن (ياء) النداء لا تباشر ما فيه أل إلا في موضعين -كما سبق- فإنه يجب أن يؤتى بأي صلة لها، فكأن المنادى حقيقة ما بعد أي، ولهذا نقول: إن (أي) هنا صلة، ونقول في إعراب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} مثلًا: يا: حرف نداء.
أي: منادى مبني على الضم في محل نصب، والهاء: للتنبيه.
النبي: صفة لأي مبني على الضم في محل نصب، وهنا نقول: مبني على الضم في محل نصب لأنه هو المنادى حقيقة، وإنما أتينا بأي من أجل كراهة أن تلي (يا) النداء ما فيه أل.
وقول المؤلف: (يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة) إشارة إلى أن هناك قومًا يقولون: لا يلزم فيه الرفع، وإنه يجوز فيه الوجهان، وهو كذلك، فإن بعض النحويين يقول: إنه يجوز فيه النصب، فيجوز أن تقول: يا أيها الرجلَ إتباعًا لمحل أي؛ لأن محلها النصب، ولكن مهما كان فإن الرفع هنا بالاتفاق أولى، وهو الذي نطق به القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال:64] ، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة:41] ، وما أشبه ذلك.
وعلة البناء في المنادى بعد أيها: أنه منادى مقصود، مثل: يا رجلُ.
مسألة: إذا كان المنادى مثنى أو مجموعًا فلا تثنى (أيها) ولا تجمع، فلا يقال: يا أيهما الرجلان، ولا يقال: يا أيهم الرجال، بل يقال: يا أيها الرجلان، ويا أيها الرجال، لكن هل تؤنث؟ نقول: نعم، قال الله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر:27] .
إذًا: فأي تؤنث مع المؤنث، ولكنها لا تثنى ولا تجمع، وهذا لم يذكره ابن مالك لكنه معروف.
فالخلاصة: أي صلة يتوصل بها إلى ما يمتنع فيه مباشرة (يا) النداء ما هو مصحوب أل، وأي لازمة للإفراد، أما في التأنيث والتذكير فإنها تذكر مع المذكر وتؤنث مع المؤنث، تقول: يا أيتها المرأتان، ويا أيتها النساء.