إن الأحاديث كثرت على عهد عمر، فناشد الناس أن يأتوا بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال: فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثا [1] .
وهذا عروة بن الزبير كان عنده كتب، وكان يكتب عن عائشة، ولكنه تأثر بحال الغالب من فقهاء أهل المدينة، فجمع كتبه وأحرقها [2] .
وقد ندم عروة على ذلك وتأسف، وتمنى أن تكون عنده، وأنه لم يحرقها، وفي ذلك يقول: كنا نقول: لا نتخذ كتابا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فو الله لوددت أن كتبي عندي، إن كتاب الله قد استمرت مريرته [3] .
وقال أيضا: لوددت لو أني فديتها بأهلي، ومالي [4] .
وقد استمرت الكراهية للكتابة حتى في عهد صغار التابعين وأتباعهم.
فعن يحيى بن سعيد قال: أدركت الناس يهابون الكتب، ولو كنا نكتب يومئذ لكتبنا من علم سعيد بن المسيب ورأيه شيئا كثيرا [5] .
مع قلة المروي عنها في التفسير، إلا أنها من أكثر المدارس تأثيرا في مناهج التابعين عموما، فالمدينة مثلت الحديث وروايته، وكانت عاصمة الخلافة، وبقي لها الأثر
(1) طبقات ابن سعد (5/ 188) . قول: مثناة كمثناة أهل الكتاب: هو كتاب وضعه أحبار بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب. ينظر السير (5/ 59) .
(2) الكفاية (205) .
(3) الحلية (2/ 176) ، واستمرت مريرته: أي قوي واستحكم. السير (4/ 436) .
(4) طبقات ابن سعد (5/ 179) ، ومختصر تاريخ دمشق (17/ 10) ، والتهذيب (7/ 183) .
(5) طبقات ابن سعد (5/ 141) ، والمعرفة (1/ 649) .