يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع [1]
وهذا الشعر في صحيح البخارى، ولكنه ليس من مسند عبد الله ابن رواحة، وإنما هو من رواية أبى هريرة عنه [2] .
وقد ذكر شيخنا في الأطراف له أحاديث، ولم يذكر هذا منها، ونحن نورد ما ذكره شيخنا، ثم نورد عليه أحاديث عنه، فمما ذكره أصحاب الكتب الستة فيما ذكره شيخنا:
6306- حديث: أغمى على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكى [وتقول: واجبلاه] وا كذا وا كذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لى: آنت كذلك.
رواه البخارى في المغازى من حديث حصين، عن الشعبى، عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة، فذكره [3] .
النعمان بن بشير هو ابن أخته عمرة بنت رواحة
6307- وحديث:/ أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسير له، فقال له: «يَا ابْنَ رَوَاحَةَ انْزِلْ فَحَرِّكِ الرِّكَابَ» .
رواه النسائى من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عنه به، وهو منقطع [4] .
6308- وحديث: بكى ابن رواحة، فبكت امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: بكيت حين رأيتك تبكى. فقال عبد الله: إنى قد علمت أنى وارد النار، فلا أدرى أناج منها أم لا؟
رواه النسائى من حديث ابن المبارك عن إسماعيل، عن قيس بن أبى حازم، قال: بكى ابن رواحة، فذكره، وهذا منقطع ظاهر [5] .
6309- وحديث عن أنس قال: حضرت حربًا، فقال عبد الله ابن رواحة:
يا نفس
ألا أرك تكرهين الجنة ... أحلف بالله لتنزلنه
طائعة أو لتكرهنه
رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن عفان، عن ديلم ابن غزوان، عن ثابت بن أنس، وهذا مرسل، عن أنس، عن ابن رواحة، فإن هذا الشعر قاله يوم مؤتة حين انتهت إليه الإمارة بعد قتل صاحبيه، فتلومت نفسه قليلًا، فقال هذا الشعر ليشجعها، ويحثها على ما أعد الله من الخير في الشهادة [6] .
وقال لها: ماذا تتوقين؟ إلى فلانه ـ يعنى امرأته ـ فهى طالق. أم [إلى معجف؟ ـ حائط له ـ] ، فهو صدقة [7] ، أم إلى الإماء والعبيد؟ فهم أحرار لوجه الله. قال:
يا نفس ما لك تكرهين الجنة
أقسمت بالله لتنزلنه
طائعة أو لتكرهنه
فطالما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه
قد أجلب الناس وشدوا الرنه
وقال أيضًا:
يا نفس إلا تقتلى تموتى
هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت
إن تفعلى فعلهما هديت
[وإن تأخرت فقد شقيت] [8]
وقد كان ـ - رضي الله عنه - ـ يتمنى هذا المقام قبل أن يلقاه، ولكن ليس الخبر كالمعاينة.
6310- قال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة. قال: لما ودع أمراء الجيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، بكى ابن رواحة، فقيل له:
ما يبكيك؟ قال: قول الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [9] فمن لى الصدر [10] بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله [ودفع عنكم] وردكم إلينا صالحين، فقال ابن رواحة:
لكننى أسأل الرحمن مغفرة ... وصرعةٍ ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنةٍ بيدى حران مجهزة ... بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
(1) من حديث عبد الله بن رواحة في المسند: 3/451. وقد وقع في المخطوطة البيت الثالث في الوسط فأعدناه إلى ترتيبه كما في المسند.
(2) الخبر أخرجه البخارى في الأدب (باب هجاء المشركين) مثل سياق الإمام أحمد. فتح البارى: 10/546؛ ولفظ البخارى في البيت الثالث: «بالمشركين» وهى رواية الكشميهنى، والباقون: «بالكافرين» كما ذكر أحمد، ونص عليه ابن حجر. فتح البارى: 10/547.
(3) الخبر أخرجه البخارى فى (باب غزوة مؤتة من أرض الشام) وفى الرواية الأخرى من الخبر قال: فلما مات لم تبك عليه. فتح البارى: 7/516.
(4) الخبر أخرجه النسائى في الكبرى وفى اليوم والليلة كما في تحفة الأشراف: 4/319. قال المزى: قيس لم يدرك ابن رواحة.
والخبر أخرجه ابن سعد بأتم من هذا: قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنزل فحرك بنا الركاب» . قال: يا رسول الله إنى قد تركت قولى ذلك. فقال له عمر: اسمع وأطع. وقال: فنزل وهو يقول:
يا رب لولا أنت ما اهتدينا
إلخ الأبيات وهى مشهورة. الطبقات الكبرى: 3/80.
(5) الخبر أخرجه النسائى في الكبرى كما في تحفة الأشراف: 4/319. وقوله: «وهذا منقطع ظاهر» لأن قيسًا أرسل عن عبد الله بن رواحة. تهذيب التهذيب: 8/386.
(6) الخبر أخرجه ابن ماجه في الجهاد ( باب القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى) : سنن ابن ماجه: 2/934. وفى الزوائد: إسناده حسن، لأن ديلم بن غزوان مختلف فيه. ويراجع تهذيب التهذيب: 3/214.
(7) فى المخطوطة: «أم جاء علينا» والتصويب من أسد الغابة: 3/237.
(8) صححت بعض الألفاظ، واستكمل ما بين معكوفات بالرجوع إلى أسد الغابة: 3/237.
(9) آية71 سورة مريم.
(10) الصدر: بالتحريك رجوع المسافر من مقصده، والشارب من الورد. النهاية: 2/255.