فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 2870

أسلم لإسلامه جميع بنى عبد الأشهل، وكان ذلك قبل الهجرة على يدى مصعب بن عمير [1] ، وشهد بدرًا، وقال يومئذٍ حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين: «واللهِ يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك إنا لصبر عند اللقاء» [2] ، وكان على باب العريش يومئذ معه فرس السبق، وشهد أحدًا.

ويوم الخندق ورمى في أكحله [3] يومئذٍ فبقى منها شهرًا حتى مات، وقد دعا الله، عز وجل، أن لا يميته حتى يشفيه من بنى قريظة، فقدر الله أنهم حصرهم بعد وقعة الخندق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، لأنهم ظنوا أن يحسن فيهم، لأنهم كانوا أحلاف الأوس، فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجىء به على حمار من المسجد من خيمةٍ/ كان ضربها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعوده من قريب فأقبل وقومه من الأوس حوله يقولون له: أحسن في مواليك يا سعد، فجعل لا يرد عليهم شيئًا، فلما أدبروا قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائمٍ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلًا قال لمن حوله: «قوموا إلى سيدكم» ، وفى رواية: «إلى خيركم» . فأجلسوه إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال: إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك، فأحكم فيهم بما شئت، فقال: وحكمى فيهم نافذ؟ فقال المسلمون: نعم، فالتفت إلى الجانب الذى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال وهو معرض استحياءً منه وإجلالًا له: وعلى من ها هنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، فقال: أحكم بقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم ونسائهم»، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حَكمتَ فِيهم بِحُكْمِ اللهِ» ، وفى رواية: «من فوق سبعة أرقعة» [4] فقتلوا في صبيحة ذلك اليوم وكانوا قريبًا من ثمانمائة مقاتل لعنهم الله ورضى عن سعد.

ثم كانت وفاته بعد هذا بقليل: انفجر جرحه فجعل يغذو منه الدم حتى مات رحمه الله [5] ، فغسل وكفن، وصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر كما ثبت عنه في الصحيحين: «أنه اهتز له عرش الرحمن» [6] ، وأخبر «أنه شيعه سبعون ألف ملكٍ» [7] وكان ذلك في سنة خمس من الهجرة. وقد روى البخارى حديثًا واحدًا، وهو من عزيز [8] الحديث وأعظمه، قال البخارى في كتاب دلائل النبوة.

(1) لما أسلم سعد بن معاذ على يدى مصعب بن عمير، ثم خرج حتى أتى بنى عبد الأشهل، وكان مما قاله لهم: «كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله وحده وتشهدوا أن محمدًا رسول الله، وتدخلوا في دينه، فما أمسى من ذلك اليوم في دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلم» . الثقات لابن حبان: 1/98، وتراجع مصادر الترجمة.

(2) السيرة لابن هشام: 2/203؛ والثقات لابن حبان: 1/158؛ وبرك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال، وقيل بلد باليمن.

(3) الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية: 4/10.

(4) يرجع إلى حديث أبى سعيد الخدرى في صحيح البخارى: 7/411؛ وإلى ثقات ابن حبان: 1/276؛ وعند ابن حبان: وهم ما بين ستمائة إلى تسعمائة.

(5) يرجع في ذلك إلى حديث عائشة رضى الله عنها في صحيح البخارى: 7/411؛ وإلى ثقات ابن حبان. ويغذو منه الدم: يسيل منه.

(6) من حديث جابر في مناقب سعد بن معاذ في البخارى: 7/123، ومن حديثه في الباب عند مسلم: 5/330.

(7) الخبر أخرجه البزار من حديث ابن عمر، كما في كشف الأستار: 3/256؛ وقال الهيثمى: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 9/308.

(8) العزيز من الحديث هو الذى يرويه اثنان فأكثر، وسمى بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عز أى قوى بمجيئه من طريق آخر. شرح نخبة الفكر لابن حجر ص5؛ مقدمة ابن الصلاح ص395.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت