دخلت بغداد فأحببت أن أرى الفرّاء، فأتيته وهو في مجلسه، فذكر بابا في التصغير، فقال: يقال: هنىّ [1] وهنيّان، ثم أنشد:
يا قبّح الله صبيانا تجىء بهم ... أمّ الهنينين من زند لها وارى
فتركته حتى لم يبق عنده أحد، ثم قلت له: إنه قد مرّ شىء [62ب] أنكرته، أفتأذن لى أن أخبرك به؟ قال: نعم. قلت: أنشدنا أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعىّ، وكلهم يعيش:
يا قبّح الله صبيانا تجىء بهم ... أمّ الهنيبر من زند لها وارى
يعنى: الضبع، وهى أمّ الهنبر فصغّره، فقال: الهنيبر. وبعد هذا البيت:
من كلّ أعلم منشقّ وتيرته ... ومودن ما وفى شبرا لشبّار [2]
فقال: صدقت، أحسن الله جزاءك عن الإفادة وحسن الأدب، وصدق أصحابك، ورحم الله أبا الحسن الكسائىّ، كان ربما أتانا بالشىء من الشّعر غير محصّل.
قال الشيخ: وهذه القصيدة للقتّال الكلابىّ [3] ، ومن أحسن أشعاره، وأولها:
يا أخت بهم وذاك العبد صاحية ... وأخت دهماء هل خبّرت أخبارى
أنا ابن أسماء أعمامى لها وأبى ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار [4]
أمّا الإماء فلا يدعوننى ولدا ... إذا تحدّث عن نقضى وإمرارى
(1) هذا رأى لبعض النحويين في تصغير هن وهنة، على اعتيار أن الحرف المحذوف من الكلمة هو الواو، وأن الأصل هنو، ومنهم من يقول أن أصل هن (بالتخفيف) هن وهن (بتشديد النون) وإذا صغرت قلت هنين واستشهد بالبيت (اللسان مادة هنا) . وعلى هذا فالسياق يقتضى أن يكون النص: هنين وهنينان، ليتسق مع الاستشهاد بالبيت.
(2) فى الأغانى ج 20ص 162مصر: «مشافره» مكان: «ووتيرته» . ومؤذن بمشبار والأعلم: المشقوق الشفة العليا، والوتيرة: إطار الشفة، والمودن: القصير، وقد أودنت المرأة:
إذا أتت بولد قصير ويروى: منشق مشافره، و «شبرا بمشبار» .
(3) قالها عند ما نازع رجلا من قومه، فقال له الرجل: أنت كل على قومك، والله إنك لخامل الذكر والحسب، ذليل النفر، خفيف على كاهل خصمك، كل على ابن عمك، فقال القتال (الأمالى 2: 224) .
(4) يروى «أنا ابن عمرة» وهى ابنة حرقة (كهمزة) بن عوف بن شداد بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبى بكر بن كلاب، والإموان: (بالضم والكسر) : جمع أمة.