فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 585

ما وهم فيه علىّ الأحمر وهو علىّ بن الحسن، يكنى أبا الحسن[1]

أخبرنى محمد بن عبد الواحد، قال: ذكر حماد بن إسحاق الموصلىّ، [82ب] عن أبيه، قال:

(1) هو على بن الحسن، وقيل ابن المبارك، وبه جزم الخطيب، المعروف بالأحمر شيخ العربية وصاحب الكسائى. قال الخطيب: أحد من اشتهر بالتقدم في النحو واتساع الحفظ. وقال ياقوت: كان رجلا من الجند من رجال النوبة على باب الرشيد، وكان يحب العربية، ولا يقدر يجالس الكسائى إلا في أيام غير نوبته، وكان يرصده في طريقه إلى الرشيد كل يوم، فإذا أقبل تلقاه وأخذ بركابه وما شاه، وسأله المسألة بعد المسألة إلى أن يبلغ الكسائى إلى الستر، فيرجع الأحمر إلى مكانه، فإذا خرج الكسائى فعل به ذلك حتى قوى وتمكن، وكان فطنا حريصا، فلما أصاب الكسائى الوضح، كره الرشيد ملازمة أولاده، فأمر أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، وقال إنك كبرت ولسنا نقطع راتبك، فدافعهم خوفا أن يأتيهم برجل يغلب على موضعه، إلى أن ضيق الأمر عليه وشدد، وقيل له: إن لم تأت برجل من أصحابك اخترنا نحن لهم من يصلح.

وكان بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش، فقلق لذلك، وعزم على أن يدخل عليهم من لا يخشى غائلته، فقال للأحمر: هل فيك خير؟ قال: نعم. قال: قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد، فقال الأحمر: لعلى لا أفى بما يحتاجون إليه، فقال الكسائى: إنما يحتاجون كل يوم إلى مسألتين في النحو وبيتين من معانى الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقنك كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلمهم، فقال:

نعم، فقال لهم: قد وجدت من أرضاه، وإنما أخرت ذلك حتى وجدته، وسماه لهم، فقالوا له: إنما اخترت رجلا من رجال النوبة، ولم تأت بأحد متقدم في العلم، فقال: ما أعرف في أصحابى أحدا مثله في الفهم والصيانة، ولست أرضى لكم غيره.

فأدخل الأحمر إلى الدار، وفرش له البيت الذى يعلم فيه بفراش حسن، وكان الخلفاء إذا أدخلوا مؤدبا إلى أولادهم فجلس أول يوم، أمروا بعد قيامه بحمل كل ما في المجلس إلى منزله، فلما أراد الأحمر الانصراف دعى له بحمالين، فقال الأحمر: والله ما يسع بيتى هذا وما لنا إلا غرفة ضبقة، وإنما يصلح هذا لمن له دار وأهل، فأمر بشراء دار له وجارية وغلام ودابة، وأقيم له راتب، فجعل يختلف إلى الكسائى كل عشية فبتلقن ما يحتاج فيه أولاد الرشيد ويغدو عليهم فيلقنهم، ويأتيهم الكسائى في الشهر مرة، ومرتين، فيعرضون عليه بحضرة الرشيد ما علمهم الأحمر فيرضاه، فلم يزل الأحمر كذلك حتى صار نحويا، وجلت حاله وعرف بالأدب، حتى قدم على سائر أصحاب الكسائى، فقال ثعلب: كان الأحمر يحفظ أربعين ألف شاهد في النحو، وكان مقدما على أفراد في حياة الكسائى، وأملى الأحمر شواهد النحو، فأراد الفراء أن يتمها فلم يجتمع له الناس كما اجتمعوا للأحمر، فقطع وقال محمد بن الجهم: كنا نأتى الأحمر فندخل قصرا من قصور الملوك فيه فرش الشتاء في وقته، وفرش الصيف في وقته، ويخرج علينا، وعليه ثياب الملوك ينفح منها رائحة المسك والبخور،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت