أخبرنى أبى، أخبرنا عسل، وأخبرنى محمد بن يحيى، عن القاسم بن إسماعيل جميعا، عن المازنىّ، عن الأصمعىّ: أنه سمع المفضّل ينشد بيت أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا [2]
فقال: إنما هو جدعا، والجدع: السّيّئ الغذاء، وهو المجدّع، فقال المفضّل، جذعا، جذعا، فقال الأصمعىّ: والله لو نفخت [64ب] فى ألفى شبّور [3] ، ما كان إلا جدعا، وو الله لا تنشده بعد «إلّا جدعا» ، تكلّم بكلام النّمل وأصب.
(1) قال السيوطى في البغية: المفضل بن محمد بن معلى الضبى، النحوى الأديب أبو العباس، وقيل:
أبو عبد الرحمن كان عالما بالنحو والشعر والغريب وأيام الناس، وكان يكتب المصاحف ويقفها في المساجد، تكفيرا لما كتبه بيده من أهاجى الناس (البغية ص 396) .
(2) الهدم: أخلاق من الثياب. والنواشر: عروق ظاهر الكف. والتولب: ولد الأتان من الوحش إذا استكمل الحول. وفى الصحاح: التولب: الجحش، قال صاحب اللسان: وحكى عن سيبويه أن تولب مصروف، لأنه فوعل. قال: ويقال للأتان: أم تولب، وقد يستعار للإنسان. ثم استشهد بهذا البيت لأوس بن حجر يصف صبيا.
وقد أورد البيت أيضا في اللسان (مادة: جدع) ، وقال: قد صحف بعض العلماء هذه اللفظة، قال الأزهرى في أثناء خطبة كتابه: جمع سليمان بن على الهاشمى بالبصرة، بين المفضل الضبى والأصمعى، فأنشد المفضل: «وذات هدم» وقال آخر البيت: «جذعا» ، بالذال، ففطن الأصمعى لخطئه، وكان أحدث سنا منه، فقال له: إنما هو «تولبا جذعا» ، وأراد تقريره على الخطأ، فلم يفطن المفضل لمراده، وكذلك أنشدته، فقال له الأصمعى حينئذ: أخطأت، إنما هو «تولبا جدعا» ، فقال له المفضل: حذعا، حذعا كذا جاء في اللسان بحاء مهملة في الأولى ورفع صوته ومده، فقال له الأصمعى: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم كلام النمل وأصب، إنما هو «جدعا» ، فقال سليمان بن على: من تختار أن أجعله بينكما؟ فاتفقا على غلام من بنى أسد حافظ للشعر، فأحضره، فعرضا عليه ما اختلفا فيه، فصدق الأصمعى، وصوب قوله، فقال له المفضل: وما الجدع؟ فقال: السىء الغذاء، وأجدعه وجدعه: أساء غذاءه.
(3) الشبور: البوق معرب.