أخبرنى محمد، أخبرنا المبرّد، قال:
قال لى أبو عكرمة الضّبّىّ: ما يساوى نحوك عند ابن قادم شيئا، قلت:
كيف؟ قال: لأن له لغة بخلاف هذه، وشواهد من الشّعر عجيبة، فجعل ينشدنى ويحدثنى ويضحك، فكان من ذلك أن قال لى: سمعته يقول: أرز ورنز، ثم أنشد:
(1) هو محمد بن عبد الله بن قادم النحوى أبو جعفر، وقيل: اسمه أحمد. قال ياقوت: كان حسن النظر في علل النحو، وكان يؤدب ولد سعيد بن قتيبة الباهلى، وكان من أعيان أصحاب الفراء، وأخذ عنه ثعلب. حكى عنه قال: وجه إلى إسحاق بن إبراهيم المصعبى يوما فأحضرنى، ولم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه تلقانى ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل، وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لى بصوت خفى: إن إسحاق مر غير متلبث حتى رجع إلى مجلس إسحاق، فراعنى ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لى كيف يقال: وهذا المال مال أو وهذا المال مالا، قال: فعلمت ما أراد ميمون، فقلت الوجه مال، ويجوز مالا، فأقبل إسحاق على ميمون يغلطه فقال: الزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ويجوز ورمى بكتاب كان في يده. فسألت عن الخبر، فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو ببلاد الروم عن إسحاق، وذكر مالا حمله إليه وهذا المال مالا، فخط المأمون على الموضع من الكتاب ووقع بخطه على الحاشية، تخاطبنى بلحن، فقامت القيامة على إسحاق، فكان ميمون بعد ذلك يقول: لا أدرى كيف أشكر ابن قادم، أبقى على روحى ونعمتى.
وحكى عن أحمد بن إسحاق بن بهلول أنه دخل هو وأخوه بغداد فدار على الحلق يوم الجمعة فوقف على رجل يتلهب ذكاء ويجيب عن كل ما يسأل عنه من مسائل الأدب والقرآن، فقلنا من هذا؟ قالوا ثعلب. فبينا نحن كذلك إذ ورد شيخ يتوكأ على عصا، فقال لأهل الحلقة: افرجوا للشيخ فأفرجوا له حتى جلس إلى جانبه.
ثم إن سائلا سأل ثعلبا عن مسألة، فقال: قال الرؤاسى فيها كذا، وقال الكسائى كذا، وقال الفراء كذا، وقال هشام كذا، وقلت أنا كذا. فقال له الشيخ: لا ترانى أعتقد فيها إلا جوابك، فالحمد لله الذى بلغنى فيك هذه المنزلة، فقلنا من هذا الشيخ؟ فقيل: أستاذه ابن قادم، وكان ابن قادم يعلم المعتز قبل الخلافة، فلما ولى بعث إليه، فقيل: أجب أمير المؤمنين، فقال: أليس هو ببغداد؟ يعنى المستعين، فقالوا لا، وقد ولى المعتز، وكان قد حقد عليه بطريق تأديبه له، فخشى من بادرته فقال لعياله: عليكم السلام فخرج ولم يرجع إليهم، وذلك في سنة 251، وله من الكتب: الكافى في النحو والمختصر فيه، وغرائب الحديث.
(البغية ص 58) .