لما كان المؤلف يرى أن التصحيف والتحريف يقعان من العامة، ويغلط فيهما بعض الخاصة فقد بين أن كمال الادراك لابد له من دعائم يرتكز عليها، أهمها:
الافتنان في العلوم، ولقاء العلماء، والأخذ من أفواه الرجال، وعدم التعويل على الكتب الصحفية، فضلا عما ينبغى أن يتوافر للباحث من مواهب وصفات أخرى أساسية فلا بد من ذكاء وفطنة، واستعداد لحمل ثقل العلم واستعذاب لمرارته.
فمن اجتمع له كل هذا كان أهلا للنهوض بالعبء.
والناظر في الكتاب يشعر أن المؤلف كان أمينا لمبادئه، حريصا على السير في هداها ومراعاتها، ويتجلى حرصه على الدقة في رواية الأخبار من عزوفه عن النقل من الصحف واعتماده على الرواية من أفواه الرجال ليتم له التثبت والضبط.
ولهذا نراه في أكثر أبواب الكتاب إلا في القسم الأخير منه يسوق الخبر أو المسألة مروية على لسان قائلها، ومسندة إلى رواتها. ولا يعتدّ إلا بما أخذه من أفواه الرجال، أو قرأه عليهم فاذا نقل غير هذا من كتاب فهو يبرأ من تبعته [1] .
كذلك نراه حريصا على أن يمحص الخبر لينصف قائله، فمثلا نجده يقول بعد أن ذكر ما جاء عن جارى مكاشرى ومكاسرى، وعن مثقل استعان بذقنه، أو بدفيه (أما قول يعقوب فلأن مكاسرى فهو كما قال، وقد وهم اللحيانى، وأما قوله: بدفّيه، فقد ظلمه يعقوب في رده) ويذكر السبب، أو يقول متشككا في صحة الخبر المروىّ، ومبررا لروايته (حكى لى أبو عمر محمد بن عبد الواحد خبرا أنا أوجس منه، ولولا أنه ذكر في إسناده ابن راهويه ومحله من الصدق فيما يحكيه محل جليل لأمسكت عن ذكره [2] وكقوله: إن كان أبو الحسين
(1) ص 78.
(2) ص 31.