أخبرنا ابن عمّار أحسبه عن ابن أبى سعد قال: أملى يعقوب بن السّكّيت في شعر طرفة [2] :
... من عائدى اللّيلة أم من يصيح
تضحك عن مثل الأقاحى جرى ... من ديمة سكب سماء دلوح [3]
قال: فاستثبتّه فيه، فقال: من قال جرى، فقد صحف، فأخبرت بذلك الطوسىّ، فقال: حرى، ومن قال جرى فقد صحّف.
(1) هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت، كان عالما بنحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية، أخذ عن البصريين والكوفيين كالفراء وأبى عمرو الشيبانى والأثرم وابن الأعرابى، وله تصانيف كثيرة في النحو، ومعانى الشعر، وتفسير دواوين العرب، زاد فيها على من تقدمه ولم يكن بعد ابن الأعرابى مثله. وحضر مرة عند ابن الأعرابى فحكى شيئا فعارضه يعقوب وقال: من يحكى هذا أصلحك الله؟
فقال له ابن الأعرابى: ما أشد حاجتك إلى من يعرك أذنيك ثم يصفعك، فأطرق يعقوب حتى سكن ابن الأعرابى ثم قال: ما كان يسرنى أن هذه البادرة بدرت منك ألى غيرى، ثم لم يتحملها. وكان معلما للصبيان ببغداد، ثم أدب أولاد المتوكل. قال عبد الله بن عبد العزيز: ونهيته حين شاورنى فيما دعاه إليه المتوكل من منادمته، فلم يقبل قولى، وحمله على الحسد، وأجاب إلى ما دعى إليه، فبينا هو مع المتوكل في بعض الأيام إذ مر به ولداه المعتز والمؤيد، فقال له: يا يعقوب من أحب إليك: ابناى هذان، أم الحسن والحسين؟ فغض يعقوب من ابنيه، وقال: قنبر خير منهما، وأثنى على الحسن والحسين بما هما أهله. وقيل: قال: والله إن قنبر خادم على خير منك ومن ابنيك، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل فعاش يوما وبعض الآخر. وقيل حمل مينا في بساط. وقيل: قال: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك فمات، وكان يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، ووجه المتوكل إلى أمه ديته. ذكر في جمع الجوامع (41بغية الوعاة) .
(2) الأقاحى: جمع أقحوانه وهى نبات أوراق زهره مفجلة صغيرة يشبهون بها الأسنان. والديمة:
مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق دلوح: يقال سحابة دلوح إذا كانت مثقلة بالماء.
(3) الشعراء المسمون بطرفة أربعة: طرفة بن ألاءة النهشلى، وطرفة الجذمى، وطرفة العامرى، وأشهرهم هو طرفة بن العبد، وهو المعنى في هذا واسمه عمرو بن عبد بن سفيان. وقال أبو سعيد السكرى: اسمه عبيد، ويقال معبد، ولقب طرفة ببيت قاله، قتله المكعبر بالبحرين بكتاب عمرو بن هند، وله إحدى وعشرون سنة.
وقيل: لم يبلغ العشرين، فكان معه المتلمس الذى خرق كتابه ونجا بنفسه. ومن شعره:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر يتمثل بعجز هذا البيت. (معجم المرزبانى ص 201) .