أخبرنا احمد بن عبيد الله بن عمار، حدثنى أبو جعفر النّحوىّ، أخبرنى التّوّزىّ، قال: أنشد أصحابنا:
يا قاتل الله صبيانا تجىء بهم ... أمّ الهنيبر من زند لها وارى [2]
قال: فصحّفه الفرّاء فقال: أمّ الهنيّين، قال التّوّزى: فقلت له: إنما أنشد أصحابنا: أمّ الهنيبر، وهى الضّبع، ويقال لها: أمّ عامر. فقال: هكذا أنشدنا الكسائىّ، فأحال على الكسائىّ.
وأخبرنى محمد بن يحيى هذا الخبر أشرح وأكثر فائدة، قال:
حدّثنا أبو ذكوان والحسين بن علىّ المهدى، قالا: حدّثنا التّوجى، قال:
(1) يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان الديلمى، إمام العربية أبو زكريا المعروف بالفراء قيل الفراء: لأنه كان يفرى الكلام. روى عن قيس بن الربيع ومندل بن على والكسائى، وعنه سلمة بن عاصم ومحمد بن الجهم السمرى، وحدث بكتبه، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائى، أخذ عنه وعليه اعتمد، وأخذ عن يونس، وأهل الكوفة يدعون أنه استكثر عنه، وأهل البصرة يدفعون ذلك. وكان يحب الكلام، ويميل إلى الاعتزال، وكان متدينا متورعا، على تيه وعجب وتعظم، وكان زائد العصبية على سيبويه وكتابه تحت رأسه، وكان يتفلسف في تصانيفه، ويسلك ألفاظ الفلاسفة، وكان أكثر مقامه ببغداد فاذا كان آخر السنة أتى الكوفة فأقام بها أربعين يوما، يفرق في أهله ما جمعه. وكان شديد المعاش، لا يأكل حتى يمسه الجوع، وجمع مالا خلفه لابن له شاطر صاحب سكاكين. وأبوه زياد هو الأقطع، قطعت يده في الحرب مع الحسين بن على، وكان مولى لأبى ثروان، وأبو ثروان مولى بنى عبس، صنف معانى القرآن، البهاء، فيما تلحن فيه العامة، اللغات، المصادر في القرآن، الجمع والتثنية في القرآن، آلة الكتاب، النوادر، المقصور والممدود، فعل وأفعل، المذكر والمؤنث، الحدود مشتملة على ستة وأربعين حدا في الإعراب، وله غير ذلك مات بطريق مكة سنة سبع ومائتين، عن سبع وستين سنة، قال سلمة بن عاصم: دخلت عليه في مرضه، وقد زال عقله، وهو يقول: إن نصبا فنصبا، وإن رفعا فرفعا، روى له هذا الشعر، قيل:
ولم يقل غيره:
لن ترانى لك العيون بباب ... ليس مثلى يطيق ذل الحجاب
يا أميرا على جريب من الأر ... ض له تسعة من الحجاب
جالسا في الخراب يحجب فيه ... ما رأينا إمارة في خراب
(2) هذا الخبر تقدمت روايته في ص 122.