ودليلهم: قياس الأولى، فإذا جاز السلم مؤجلًا مع أن في الأجل ضربًا من الغرر، جاز في السلم الحال.
قال الشافعي في الأم (3/ 95) : فإذا أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الطعام بصفة إلى أجل كان بيع الطعام بصفة حالًا أجوز؛ لأنه ليس في البيع معنى إلا أن يكون بصفة مضمونًا على صاحبه، فإذا ضمن مؤخرًا ضمن معجلًا، وكان معجلًا أضمن منه مؤخرًا. اهـ
وأجاز شيخ الإسلام السلم حالًا بشرط أن يكون المبيع في ملكه، لأنه إذا كان حالًا وليس عنده فقد يقدر على تسليمه، وقد لا يقدر، لأنه سيربح فيه، فيكون قد ربح فيما لم يضمن، وقد نهي عن ربح ما لم يضمن انظر الفروع (4/ 23) .
واختلف القائلون باشتراط الأجل في أقل مدته على أقوال معروفة، من نصف يوم، إلى يوم، إلى ثلاثة أيام،إلى شهر، ....
و الظاهر أن اشتراط الأجل لا يصح، وحجة الشافعي رحمه الله في أن السلم الحال من باب الأولى قوية، وحديث النهي عن ربح ما لم يضمن رواه ابو داود
(3504) و الترمذي و النسائي والدارمي وأحمد وغيرهم وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عنه جده، وفيه مقال مشهور، وجاء عند ابن حبان من طريق عطاء الخراساني عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما-، وهو لم يسمع منه كما ذكر النسائي وغيره، وهو في المستدرك من طريق عطاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فرجع إلى الإسناد الأول.
وأما الصورة الثالثة والرابعة: وهى أن يبيع سلعة معينة لا يملكها بثمن حال أو مؤجل. وهو بيع مالا يملك.
فقد روى أحمد في المسند، قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك يحدث عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه- قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما قال قلت يا رسول الله الرجل يسألني البيع وليس عندي أفأبيعه قال:"لا تبع ماليس عندك".
واختلف العلماء في معنى الحديث، وقال ابن القيم في زاد المعاد (5/ 808) : وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهي عنه لكونه معدومًا، فقال: لا يصح بيع المعدوم، وروي في ذلك حديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المعدوم، وهذا الحديث لا يعرف في شئ من كتب الحديث، ولا له أصل، والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث، وغلط من ظن أن معناهما واحد، وأن هذا المنهي عنه في حديث حكيم رضي الله عنه لا يلزم أن يكون معدومًا، وإن كان، فهو معدوم خاص، فهو كبيع حبل الحبلة، وهو معدوم يتضمن غررًا و ترددًا في حصوله، و المعدوم ثلاثة أقسام:
الأول: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقًا، وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة، وهذا هو السلم.
والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه، وهو نوعان:
نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، لكن جاز بيعها تبعًا للموجود، وقد يكون المعدوم متصلًا بالموجود، وقد يكون أعيانًا أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد.
و النوع المختلف فيه كبيع المقاثي و المباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان ثم ذكر الخلاف.
و الثالث: معدوم لا يدري يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه في حصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدومًا بل لكونه غررًا، فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام، وابن عمر رضي الله عنهم، فإن البائع إذا باع ماليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب و يحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيهًا بالقمار و المخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه، وكذلك بيع حبل الحبلة، وهو بيع حمل ما تحمل ناقته، ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته، كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها، فقد ظن طائفة أن بيع السلم مخصوص من النهي عن بيع ما ليس عنده، وليس هو كما ظنوه، فإن السلم يرد على أمر مضمون في الذمة، ثابت فيها، مقدور على تسليمه عند محله، ولا غرر في ذلك، ولا خطر، بل هو جعل المال في ذمة المسلم إليه، يجب عليه أداؤه عند محله، فهو يشبه تأجيل الثمن في ذمة المشتري، فهو شغل لذمة المشتري بالثمن المضمون، وهذا شغل لذمة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)